فهرس الكتاب
لذا ، حرص أعداء الإسلام على اختلاف أجناسهم وألوانهم وبلدانهم على الجد في تحصيل علم الطب ، وبلغوا أرفع الدرجات ، ومما لا شك فيه ولا ريب أن من أعظم مقاصدهم تسخير نتيجة تحصيلهم في الدعوة إلى دينهم أو إخراج المسلم من دينه ليعيش بلا دين .
واسمع إلى قولهم"حيث تجد بشرًا تجد آلامًا ، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب ، وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب فهنالك فرصة مناسبة للتبشير"، وهكذا اتخذ المبشرون الطب ستارًا يقتربون تحته من المرضى .
واستمع أيضًا إلى قول أحدهم ويدعى الطبيب ( بول هاريسون) قال في كتابه - الطبيب في بلاد العرب -:
(( إن المبشر لا يرضى عن إنشاء مستشفى ولو بلغت منافع ذلك المستشفى منطقة( عُمان ) بأسرها . لقد وُجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى ))
وصدق في قوله وهو الكذوب ، فلقد أفصح عن أمر بيّته في نفسه وعنه يدافع وناضل .
وصدق الله ، ومنْ أصدق من الله قيلًا ومَنْ أصدق من الله حديثًا: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ولهذا كان بعضهم لا يعالج المريض أبدًا إلاّ بعد أن يحمله على الاعتراف بأن الذي يشفيه هو المسيح.
وفي الحبشة كانت المعالجة لا تبدأ إلاّ بعد أن يركع المريض ويسأل المسيح أن يشفيه .
تقول ( ايرا هاريس ) في نصيحتها للطبيب الذاهب إلى مهمة تبشيرية:
(( يجب أن تنتهز الفرص لتصل إلى آذان المسلمين وقلوبهم فتكرز( لعلها بمعنى تقنع أو ترسخ ) بهم بالإنجيل ، إيّاك أن تضيع التطبيب في المستوصفات والمستشفيات فإنه أثمن تلك الفرص على الإطلاق ، ولعل الشيطان يريد أن يفتنك فيقول لك: إن واجبك التطبيب فقط لا التبشير فلا تسمع منه )) [ انظر"التبشير والاستعمار في البلاد العربية"د.مصطفى الخالديوعمر فروخ . ]
أرأيت يا رعاك الله مدى التعصب والحقد على الإسلام وأهله .
فأحسن الله عزاءَنا في بعض المسلمين الذي خُدِعوا بأخلاقهم ، وبجّلوا سمعتهم وسيرتهم في المجالس ، غير آبهين بمعتقدهم الذي يأكل قلوبهم حقدًا على الإسلام وأهله .
لكن مع هذا العداء وهذا التآمر من أعداء الإسلام فإن ما يرى ويسمع في هذه الأزمنة يشرح الصدور ويبهج النفوس . أعني بذلك إقبال كثير من شباب المسلمين على دراسة الطب علمًا وعملًا فاستغلظ ذلك النبات واستوى على سوقه ، فرأينا شبابًا ورجالًا صالحين تبوَّؤا المناصب وزاحموا أعداء الأُمة وأثبتوا أنهم محل الثقة وكانوا أحق بها وأهلها .
فتعلموا وعلِموا فعملوا وعلّموا فنفعهم الله ونفع بهم ، فجمعوا لمرضاهم بين طب القلوب وطب الأبدان ، فكان الدواء ناجعًا والأثر نافعًا .
فهنيئًا لنا بهم ولتسعد بل ولتفخر تلك الصحوة بهم ، فهم على ثغر عظيم وجبهة واسعة ولزامًا علينا أن نشاركهم في آمالهم وآلامهم .
أعانهم الله وسدّد خطاهم وبارك في جهودهم .
وليعلموا إن مكانتهم مرموقة منزلتهم عالية ، بل إن بعض الفتاوى الشرعية تُبنى على ضوء ما يقررونه ويقولونه . وإليك شاهدًا واحدًا على ذلك:
قال الإمام النووي رحمة الله تعالى: (( قال أصحابنا يجوز أن يعتمد في كون المرض مرخصًا في التيمم وأنه على الصفة المعتبرة على معرفة نفسه ، و إلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عادل ، فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجز اعتماده ... ) ) [المجموع للنووي] .
وإننا إذ نؤمل في هذه الثلة الطيبة خيرًا كثيرًا ، فإننا نطمع في المزيد من الجهد ولعل من المطالب الأساسية بعد الإصلاح المستطاع ، تعريب كتب الطب حتى نتخلص من بعض التبعية المطلقة ، وهذا ليس عسيرًا . ففي أطباء المسلمين مَنْ هو مرجع لكبار أطباء الغرب وديار الكفر عامة .
فلن يعجز أولئك الأطباء المسلمون عن القيام بهذه المهمة وهي وإن كانت جسيمة لكن:
وإذا كانت النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسام
وإن من التبعية المقيتة إعجاب كثير من سواد المسلمين بأطباء ديار الكفر والنظر إليهم بإكبار . يا سبحان الله ، ما هذا التناقض !؟ (( عندنا أطباء وعندنا مستشفيات وعندنا تجهيزات ووسائل للشفاء ، كل هذا عندنا ولكن ليست عندنا الثقة بأنفسنا . فإذا وثقنا بأنفسنا وأطبائنا وراجع الأطباء أنفسهم فنزهوها عن عيوبها واستكملوا فضائلها لم نحتج معهم إلى غيرهم ) ) [ذكريات الطنطاوي] .
ومن باب النصح أيضًا يقال: (( إن بعض الأطباء ممن قلت مراقبته لله يريد أن يأخذ أكثر من حقه ، وأن يستلب المريض أمواله . بل بعض المستشفيات الخاصة إنما أُنشئت لغرض تجاري هو جمع المال واستعجال الغنى . نريد أن تجرٍّد المريض من كل ما في كيسه من مال ولو استطاعت لجردت عظامه من اللحم الذي يلتصق بها ) ) [ذكريات الطنطاوي] .
وبعضهم يضيف إلى ما سبق استقدام الممرضات الكافرات وغير الكافرات والجميع من المتبرجات بزينة ، فجمع أصحاب تلك المستشفيات بين سَوْءتين: الطمع والمُنكر . فلا أكثر الله في المسلمين أمثالهم . ومثل تلك المستشفيات حري بالمقاطعة والحذر والتحذير منه ، ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه .
والله أسأل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، في السر والعلن ، إنه سميع مجيب .