فهرس الكتاب

الصفحة 1623 من 1664

انتهى أمر هذه الصحوة بالعلمانية ـ فصل الدين عن الحياة ـ ... بكلمات أُخر: قَطَفَ ثمار هذه الصحوة العلمانيون ، وحدث ما لا يخفى من ابتلاء لقطاع عريض من الصحوة الإسلامية . فثمار هذه الصحوة ـ في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين ـ وضعت في سلّة العدو بيد ( أبناء ) الأمة ، فلم تعد الخلافة الإسلامية ، ولم تتحرر فلسطين بل لم تحافظ على هويتها الإسلامية ، ولم يُطبق شرع الله كما كانت تنادي الصحوة في كثير من البلدان التي قامت فيها . وخرجت الصحوة من المحنة فصائل بطيئة الحركة تتعثر في سيرها ... كلما نهضت من كبوة وقعت مرَّة أخرى ، فمن التعصب للجماعات إلى التعصب للأفراد ... ولا أريد الاسترسال فقط أريد القول: إننا بصدد تكرار ما حدث.

.وحتى يتضح مرادي أجيب على السؤال الذي طرحته من قبل:

كيف ضاعت الثمار بهذه السهولة ؟

أو قل: لماذا اتجه محمد على نحو فرنسا ؟ ولماذا أثني ( الشيوخ ) على ديار الكفر أعني رفاعة الطهطاوي ومن معه ومن جاء بعده ممن ينتسبون إلى الإسلام ؟ ثم لماذا قبلت الجماهير ـ ولو بعد حين ـ ما طُرح عليها ؟

أهي العمالة ؟

وإن كانت فهي ـ أي العمالة ـ عَرَض وليست بالمرض .. ليست هي الداء الحقيقي .

الداء الحقيقي هو الخلل العقدي .... نعم . خلل عقدي عند النخبة المثقفة جعلها تنبهر بالغرب تريد محاكاته ، وخلل عقدي عند الشعوب جعلها تقبل ما يملي عليها . ولا تهب- في الغالب - إلا دفاعا عن لقمة عيشها لا دينها .

وهذه معادلة أطرحها ليستبين بها قولي .

قبل قيام الثورة في مصر عام 1952م كان جل الشعب مع التيار الإسلامي .. ( الإخوان يومئذ ) ، وبعد قيام الثورة كان الشعب كله مع العبد الخاسر الذي ما عبد الناصر ( عبد الناصر ) . ما الذي جعل الجماهير بالأمس هنا واليوم هناك ؟ .

لا شيء سوى الخلل العقدي .

لا شيء سوى جرثومة الإرجاء التي أصابت الدين في القلوب فخلفته شهادة باللسان وصلاة في المساجد وصوم في رمضان وحجا إن قدروا على ذلك .

وهو بأم عينه ـ الخلل العقدي ـ الذي جعلهم يقبلون حكم ( الثوار ) ( الأحرار ) .. ( العرب الأمجاد ) وهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله .. وهم يعذبون أولياء الله .. وهم يسخرون من سنة الحبيب ـ بأبي هو وأمي وأهلي وابني صلى الله عليه وسلم - بأوقع الألفاظ حتى قال سفيههم: لن نعود إلى عهد البغال والحمير .

هو بعينه ـ الخلل العقدي ـ الذي غيّم على العيون فجعلها لا ترى إلا ما يكتب في الهوية من ديانة .

وهو بعينه ـ الخلل العقدي ـ الذي جعل الحكام ـ إن كانوا صادقين في أنهم يريدون الخير لشعوبهم ـ يسيرون وراء الكفر وأهله .

ببساطة: الإرجاء العقدي عند الشعوب هو السبب في تقبل العلمانية ؟ .

حين عرفوا أن الدين صلاة وصيام وحج ونطق بالشهادة نظروا إلى مطالب الصحوة من إقامة سلطان الله في الأرض على أنه أمر ذائد . وأن قضية الصحوة مع العلمانية قضية من يحكم ـ كأفراد ـ ؟ وليس قضية إيمان وكفر ـ أكبر أو أصغر ـ .

هذا هو السبب ببساطة .

الحال هو الحال !

المقاومة العراقية تمثل حالة من الرفض لدى الشعوب ، وهي قابلة للتكرار إن توجه الأمريكان إلى قطر آخر ـ والله أسال أن يقصم ظهورهم في العراق ولا يخرجون منها بعافية ـ ولكنها إلى الآن لم تُوجهه . ويمكن أن تُسيس أو يغير مصيرها تماما كما حدث مع المصرين بعد رحيل الفرنسيين وكما حدث مع صحوة الأمة قبل حقبة الثورات في القرن الماضي كما قدمت ، ونستفيق وقد دخلنا في دوامة تذهب بجهد السابقين ويجلد فيها ظهور الحاضرين . وتكون عبئا على القادمين .والعياذ بالله .

أيها السادة !

ما أراه هو أن: الزمان قد دار دورة وها نحن نشهد نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى ... فَشَلَتْ القومية العربية كطرح فكري وكتطبيق عملي ... وملّتها الجماهير ، ولا بد من البديل ، وقد جاءت الموجة الجديدة من الحروب الصليبية ... أو خَفِفْ اللفظ وقل: موجة جديدة من الحملات ( الاستعمارية ) ـ ولا فرق بينهما عندي ـ لتدشين مرحلة جديدة يمكن تسميتها بمرحلة العملاء ... فبالأمس قرضاي واليوم علاوي عميل المخابرات الأمريكية ومحمود عباس الذي رضي عنه كبير المغضوب عليهم ( شارون ) وكبير الضالين ( بوش ) ... وكثير من الباقين لا يحتاجون إلى تغيير ... وليس فقط في مجال الحكم بل في المجال الديني وفي مجال التعليم .. فانظر إلى علماء الدين (الرسميين ) ـ أتكلم عن الغالبية في الدول الديمقراطية ـ وانظر إلى القائمين على ( تطوير ) التعليم في العالم الإسلامي . أليس الكل يشترك في رفض ( الإرهاب ) ؟ والرغبة الجادة في ( تحسين ) صورة الإسلام عن طريق إعادة قراءته بصيغة يتفهمها أو يقبلها أبناء العم سام ومن وراءهم ؟! .

فيمكن أن ترحل أمريكا وتخلف وراءها عملاها . وهذا غالب الظن . ستختفي من الصورة ـ وإن بقيت على الأرض ـ ويتولى حلفاءها قتال المجاهدين وهنا ستختلط الرايات ثانية ، والعامة تُؤتى من أذنها ، وهي ـ العامّة ـ مع من يأتيها برزقها ، وأروني يوما صوَّتت فيه الجماهير لصاح الحرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت