فهرس الكتاب
الْإِصَابَةِ قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ: حَضَرَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ مَعَ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ مُكْرَهًا فَافْتَدَى نَفْسَهُ وَعُقَيْلًا وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ فَيُقَالُ: إنَّهُ أَسْلَمَ وَكَتَمَ قَوْمَهُ ذَلِكَ فَكَانَ يَكْتُبُ الْأَخْبَارَ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم , ثُمَّ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِقَلِيلٍ انْتَهَى وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته . وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْهِجْرَةَ كَمَا تَجِبُ هُنَا تَجِبُ مِنْ بَلَدِ إسْلَامٍ أَظْهَرَ بِهَا حَقًّا أَيْ وَاجِبًا وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَا قَدَرَ عَلَى إظْهَارِهِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِبَلَدٍ تُعْمَلُ فِيهِ الْمَعَاصِي وَلَا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُهَا الْهِجْرَةُ إلَى حَيْثُ تَتَهَيَّأُ لَهُ الْعِبَادَةُ لقوله تعالى فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * نَقَلَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَأَقَرُّوهُ وَيُنَازَعُ فِيهِ مَا مَرَّ فِي الْوَلِيمَةِ أَنَّ مَنْ بِجِوَارِهِ آلَاتُ لَهْوٍ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ وَعَلَّلَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ فِي مُفَارَقَةِ دَارِهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَلَا فِعْلَ مِنْهُ فَإِنْ قُلْت ذَاكَ مَعَ النَّقْلَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي بَلَدِ الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ بِالنَّقْلَةِ يُفَارِقُ بَلَدَ الْمَعْصِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ قُلْت: قَضِيَّةُ هَذَا بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ ذَاكَ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ مِنْ الْبَلَدِ وَهَذَا لَمْ يُلْزِمُوهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ مِنْ الْجِوَارِ فَأَوْلَى الْبَلَدُ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِبَلَدٍ وَلَا لِجِوَارٍ بَلْ لِلْمَشَقَّةِ وَهِيَ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ الْبَلَدِ أَشَقُّ وَبِفَرْضِ اعْتِمَادِ ذَلِكَ فَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي إقَامَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ بِالْأَوْلَى , ثُمَّ رَأَيْت الْبُلْقِينِيَّ صَرَّحَ بِهِ , وَبِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِانْتِقَالِ لِبَلَدٍ سَالِمَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ الْمُؤَنُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحَجِّ , وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الِانْتِقَالِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ تَظْهَرَ الْمَعَاصِي الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحْيِي أَهْلُهُ كُلُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِتَرْكِهِمْ إزَالَتَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ ; لِأَنَّ الْإِقَامَةَ حِينَئِذٍ مَعَهُمْ تُعَدُّ إعَانَةً وَتَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي
.قَوْلُهُ: أَوْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ إلَخْ ) قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَامِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَقَدَرُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ وَلَمْ يَخْتَلَّ أَمْرُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُقَامِهِمْ هُنَاكَ وَلَا يَخْلُو عَنْ الْبُعْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُمْ صَرِيحٌ إلَخْ ) فِي الصَّرَاحَةِ نَظَرٌ خُصُوصًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِيلَاءِ الْقَدِيمِ الِاسْتِيلَاءُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مِنْ لَازِمِ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ الطُّرُوُّ لِسَبْقِ الْكُفْرِ وَعُرُوضِ الْإِسْلَامِ . ( قَوْلُهُ: وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إلَخْ ) لَا بُدَّ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ مِنْ بَيَانِ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَيْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ