فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 1664

قوله تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * ; قِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ أَرَادَ مُتَّسَعًا لِهِجْرَتِهِ ; لِأَنَّ الرَّغْمَ أَصْلُهُ الذُّلُّ , تَقُولُ: فَعَلْت ذَلِكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فُلَانٍ , أَيْ فَعَلْته عَلَى الذُّلِّ وَالْكُرْهِ . وَالرَّغَامُ التُّرَابُ ; لِأَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لِمَنْ رَامَهُ مَعَ احْتِقَارِهِ وَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ أَلْصَقْهُ بِالتُّرَابِ إذْلَالًا لَهُ ; فَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * أَيْ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُتَّسَعًا سَهْلًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * . فَمُرَاغَمٌ وَذَلُولٌ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى .

وَقِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ مَا يُرْغَمُ بِهِ مَنْ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْهِجْرَةِ .

وَأَمَّا قوله تعالى: وَسَعَةً * , فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ السَّعَةُ فِي إظْهَارِ الدِّينِ لِمَا كَانَ يَلْحَقُهُمْ مِنْ تَضْيِيقِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ حَتَّى يَمْنَعُوهُمْ مِنْ إظْهَارِهِ .

وفي البحر الزخار (1) :

كِتَابُ السِّيَرِ السِّيرَةُ: الطَّرِيقَةُ , وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مِنْ سَارَ إلَى كَذَا , أَيْ ذَهَبَ إلَيْهِ ,"."مَسْأَلَةٌ"الْجِهَادُ سَنَامُ الدِّينِ , وَهُوَ أَصْلٌ فِي النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ , وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم , أَظْهَرَ كَرَامَاتِهِ حَالَ الْحَمْلِ بِهِ وَرَضَاعِهِ وَفِطَامِهِ بِمَا هُوَ مَأْثُورٌ فِي سِيرَتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم , وَبَغَّضَ إلَيْهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: مَا كَفَرَ بِاَللَّهِ نَبِيٌّ قَطُّ * وَأَوَّلُ مَا فُتِحَ بِهِ الْمَنَامُ الصَّادِقُ وَمَحَبَّةُ الْخَلْوَةِ فَكَانَ يَتَحَنَّثُ فِي حِرَاءَ , وَتَسْلِيمُ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ عَلَيْهِ , وَحِينَ بَلَغَ أَشُدَّهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فِي حِرَاءَ بِأَوَّلِ سُورَةِ الْقَلَمِ فَفَزِعَ وَخَشِيَ أَنَّ بِهِ جُنَّةً , وَكَانَ مِنْ خَدِيجَةَ مَا هُوَ مَشْهُورٌ , ثُمَّ دَعَا الْخَلْقَ إلَى التَّوْحِيدِ ( ى ) وَلَمَّا تَخَوَّفَ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ أَمَّنَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ * إلَى قوله تعالى وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ * فَأَحْضَرَ عَشِيرَتَهُ فِيهِمْ أَبُو لَهَبٍ فَدَعَاهُمْ , وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ . قُلْتُ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّ قوله تعالى وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ * نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ , وَإِنَّمَا سَبَبُ جَمْعِهِ إيَّاهُمْ قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * فَلَمَّا تَوَلَّوْا وَآذَوْهُ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ , بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ * وَنَحْوِهَا ثُمَّ أُذِنَ بِالْهِجْرَةِ لَمَّا كَثُرَ تَأَذِّي أَصْحَابِهِ , فَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * وَلَمْ يُوجِبْهَا , فَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْحَبَشَةِ وَالشَّامِ , وَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوْسِمِ عَلَى الْقَبَائِلِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إلَّا الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ , وَابْتِدَاءُ قِصَّتِهِمْ مَشْهُورَةٌ , فَلَمَّا هَاجَرَ وَكَثُرَ أَعْوَانُهُ أُمِرَ بِالْجِهَادِ , فَقَالَ تَعَالَى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * وَنَحْوَهَا , وَكَذَا حَالُ الْأَئِمَّةِ يُعْذَرُونَ عِنْدَ الضَّعْفِ لَا عِنْدَ الْقُوَّةِ ,"

(1) - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار - زيدية - (ج 16 / ص 83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت