هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَكَانَ وَقْتَ مُهَاجَرٍ وَلَيْسَ مَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ كَذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا فِي الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ . مَا قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ جَمِيعًا قَالَا ثنا أَبُو عِيسَى فُدَيْكُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ ثنا الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ فُدَيْكٍ قَالَ خَرَجَ فُدَيْكٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَا فُدَيْكُ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَآتِ الزَّكَاةَ وَاهْجُرْ السُّوءَ وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْت تَكُنْ مُهَاجِرًا * . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تِبْيَانُ الْهِجْرَةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا مَنْ يَدْخُلُ فِيهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَنَّهَا بِهَجْرِ السُّوءِ وَأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ مِنْ السُّكْنَى بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا خِلَافُ الْهِجْرَةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ السُّكْنَى فِي الدَّارِ الَّتِي كَانَ الْمُهَاجِرُ مِنْهَا وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا بَيَانٌ لِمَا وَصَفْنَا وَقَدْ وَجَدْنَا مَا هُوَ أَدَلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ السَّابِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْ هَاجَرَ إلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مِنْ دُورِ الْكُفْرِ مِنْ مَكَّةَ وَمِمَّنْ سِوَاهَا إلَى دَارِ الْهِجْرَةِ وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِيهَا هُمْ الَّذِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُمْ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ لَهُ وَالْبَذْلَةِ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لَهُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمْ أَعْظَمَ الدُّورِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْكُفَّارُ بِهِ وَالرَّاغِبُونَ عَنْهُ وَالْمُقَاتِلُونَ لَهُ وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ هُمْ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَعْدَ أَنْ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إسْلَامٍ . وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمُجَاشِعٍ لَمَّا أَتَاهُ بِأَخِيهِ بَعْدَ الْفَتْحِ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ: لَا بَلْ يُبَايِعُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَيَكُونُ مِنْ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ * وَاَللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
وقال الجصاص: