فهرس الكتاب
عِنْدَهُمْ عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ , كَمَا تَوَاتَرَتْ عِنْدَ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ وَتَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ , وَاعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ , وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُنَازِعُهُمْ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ . وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَبْدِيعِ مَنْ خَالَفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ بِخِلَافِ مَنْ نَازَعَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي تَوَاتُرِ السُّنَنِ عَنْهُ , كَالتَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ , وَفِي الْقَسَامَةِ وَالْقُرْعَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ . وَأَمَّا عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ , فَهَذِهِ دُونَ تِلْكَ , فَإِنَّ هَذِهِ كَانَ قَدْ حَصَلَ فِيهَا نِزَاعٌ , فَإِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَطَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَجَّحُوا عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ , ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ , وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَوَقَّفَ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ , وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ , لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَنْهُ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ , وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ حَتَّى إنَّ هَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا فِيمَنْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ هَلْ يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ , عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ , وَقَدْ قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , والدارقطني: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . وَأَيُّوبُ هَذَا إمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ , وَإِمَامُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ , رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ , وَكَانَ لَا يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ , وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فَقَالَ مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَأَيُّوبُ أَفْضَلُ مِنْهُ , وَذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْته مُقْعَدًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا ذَكَرْته إلَّا اقْشَعَرَّ جِسْمِي . وَالْحُجَّةُ لِهَذَا مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُنَّا نَقُولُ أَبُو بَكْرٍ , ثُمَّ عُمَرُ , ثُمَّ عُثْمَانُ * وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ: يَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَلَا يُنْكِرُهُ . وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ , وَغَيْرِ الْبُخَارِيِّ , أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا جَعَلَ الْخِلَافَةَ شُورَى فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ: عُثْمَانَ , وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ , وَالزُّبَيْرِ , وَسَعْدٍ , وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَلَمْ يُدْخِلْ مَعَهُمْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ , وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ , وَكَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قَبِيلَةِ عُمَرَ , وَقَالَ عَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يَحْضُرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْأَمْرِ شَيْءٌ , وَوَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ صُهَيْبٌ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ , فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ طَلْحَةُ: وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ لِعُثْمَانَ وَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا كَانَ لِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ لِعَلِيٍّ , وَقَالَ سَعْدٌ: مَا كَانَ لِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , فَخَرَجَ ثَلَاثَةٌ وَبَقِيَ ثَلَاثَةٌ , فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنَا أَخْرُجُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ يُوَلِّيَ أَفْضَلَهُمَا ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا يُشَاوِرُ الْمُهَاجِرِينَ , وَالْأَنْصَارَ , وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ , وَيُشَاوِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ , وَيُشَاوِرُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ حَجُّوا مَعَ عُمَرَ , وَشَهِدُوا مَوْتَهُ , حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّ لِي ثَلَاثًا مَا اغْتَمَضْت بِنَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ لِعُثْمَانَ: عَلَيْك عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ إنْ وَلَّيْتُكَ