فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 1664

قال ابن إسحاق:وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف , ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له:"مُخشن بن حُمير" [ قال ابن هشام:ويقال:مخشى ] يشيرون إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك , فقال بعضهم لبعض:أتحسبون جلاد بني الأصفر [ يعنون الروم ] كقتال العرب بعضهم بعضًا ? واللّه لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال . . إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين . . فقال مخشن بن حمير:واللّه لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة , وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر:"أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل:بلى قلتم كذا وكذا". فانطلق إليهم عمار , فقال ذلك لهم , فأتوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه , فقال وديعة بن ثابت , ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - واقف على ناقته , فجعل يقول وهو آخذ بحقبها [ وهو الحبل يشد على بطن البعير ] يا رسول اللّه , إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل اللّه عز وجل: (ولئن سألتهم ليقولن:إنما كنا نخوض ونلعب . قل:أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ?) وقال مخشن بن حمير:يا رسول اللّه , قعد بي اسمي واسم أبي ! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير . فتسمى عبد الرحمن . وسأل اللّه تعالى أن يقتله شهيدًا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة , فلم يوجد له أثر . .

قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال:لما قفل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم من تبوك - بعدما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حربًا - هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك به , وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق , فأخبر بخبرهم , فأمر الناس بالمسير من الوادي , وصعد هو العقبة , وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا , وأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه . عمار آخذ بزمام الناقة , وحذيفة يسوقها ; فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم , فغضب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأبصر حذيفة غضبه , فرجع إليهم ومعه محجن , فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه , فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ; فأسرعوا حتى خالطوا الناس ; وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة , ووقفوا ينتظرون الناس . ثم قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة:"هل عرفت هؤلاء القوم ?"قال:ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم . ثم قال:"علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ?"قالا:لا . فأخبرهما بما كانوا تمالأوا عليه , وسماهم لهما , واستكتمهما ذلك , فقالا:يا رسول اللّه , أفلا تأمر بقتلهم ? فقال:"أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". .

قال ابن كثير في البداية والنهاية:

وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده . وهذا هو الأشبه , واللّه أعلم . .

فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها . . قال ابن كثير في التفسير:

قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية: (لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم , ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم) . . في غزوة تبوك . وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر , في سنة مجدبة , وحر شديد , وعسر من الزاد والماء . . قال قتادة:خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر , على ما يعلم اللّه من الجهد , فأصابهم فيها جهد شديدحتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما , وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها , ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها , فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم .

وروى ابن جرير - بإسناده - إلى عبد اللّه بن عباس:أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة , فقال عمر بن الخطاب:خرجنا مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك , فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع , وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع , وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه , ويجعل ما بقي على كبده .

وقال ابن جرير في قوله: (لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) - أي من النفقة والظهر والزاد والماء - (من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) - أي عن الحق , ويشك في دين الرسول - صلى الله عليه وسلم ويرتاب للذي نالهم من المشقة ولشدة في سفرهم وغزوهم - (ثم تاب عليهم) يقول:ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه (إنه بهم رؤوف رحيم) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت