فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 1664

المسألة الخامسة: لما قال تعالى: { ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } فسوى بينهما في الوعد ، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء ، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه ، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية ، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك . وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق ، فإنه روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « المقتول في سبيل الله تعالى ، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل ، هما في الخير والأجر شريكان » ولفظ الشركة مشعر بالتسوية ، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة . وروى أيضًا: أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا ، فما لنا إن متنا معك . فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر ، فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيدًا . أما المسكن فقوله تعالى: { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء مدخلًا بضم الميم وهو من الإدخال ، ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع .

المسألة الثانية: قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع ، وقال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما قال يرضونه ، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولًا ، ونظيره قوله تعالى: { ومساكن تَرْضَوْنَهَا } [ التوبة: 24 ] وقوله: { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة: 21 ] وقوله: { ارجعي إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } [ الفجر: 28 ] وقوله: { ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } [ التوبة: 72 ] .

المسألة الثالثة: إن قيل ما معنى { وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } وما تعلقه بما تقدم؟ قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة ، وأما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية ، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة .

وقال السعدي (1) :

هذه بشارة كبرى، لمن هاجر في سبيل الله، فخرج من داره ووطنه وأولاده وماله، ابتغاء وجه الله، ونصرة لدين الله، فهذا قد وجب أجره على الله، سواء مات على فراشه، أو قتل مجاهدا في سبيل الله، { لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا } في البرزخ، وفي يوم القيامة بدخول الجنة الجامعة للروح والريحان، والحسن والإحسان، ونعيم القلب والبدن، ويحتمل أن المعنى (1) أن المهاجر في سبيل الله، قد تكفل برزقه في الدنيا، رزقا واسعا حسنا، سواء علم الله منه أنه يموت على فراشه، أو يقتل شهيدا، فكلهم مضمون له الرزق، فلا يتوهم أنه إذا خرج من دياره وأمواله، سيفتقر ويحتاج، فإن رازقه هو خير الرازقين، وقد وقع كما أخبر، فإن المهاجرين السابقين، تركوا ديارهم وأبناءهم وأموالهم، نصرة لدين الله، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى فتح الله عليهم البلاد، ومكنهم من العباد فاجتبوا من أموالها، ما كانوا به من أغنى الناس، ويكون على هذا القول، قوله: { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ } إما ما يفتحه الله عليهم من البلدان، خصوصا فتح مكة المشرفة، فإنهم دخلوها في حالة الرضا والسرور، وإما المراد به رزق الآخرة، وأن ذلك دخول الجنة، فتكون الآية جمعت بين الرزقين، رزق الدنيا، ورزق الآخرة، واللفظ صالح لذلك كله، والمعنى صحيح، فلا مانع من إرادة الجميع { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ } بالأمور، ظاهرها، وباطنها، متقدمها، ومتأخرها، { حَلِيمٌ } يعصيه الخلائق، ويبارزونه بالعظائم، وهو لا يعاجلهم بالعقوبة مع كمال اقتداره، بل يواصل لهم رزقه، ويسدي إليهم فضله.

وفي التفسير الوسيط (2) :

{ والذين هَاجَرُواْ } من ديارهم { فِي سَبِيلِ } إعلاء كلمة الله ونصرة دينه { ثُمَّ قتلوا } أى: قتلهم الكفار في الجهاد { أَوْ مَاتُواْ } أى: على فراشهم .

هؤلاء وهؤلاء { لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله } - تعالى - بفضله وكرمه { رِزْقًا حَسَنًا } يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه . حيث يبوئهم جنته .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 543)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2984)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت