فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1664

المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: { أُوْلُواْ الفضل } أبو بكر ، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا وإما في الدين ، والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له ، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز ، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله: { والسعة } تكريرًا فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين ، فلو كان غيره مساويًا له في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلًا ، فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقًا غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيبقى معمولًا به في حق الغير ، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر ، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر بالغ إلى حد التواتر ، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر ، وأيضًا فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل الناس ، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي ، فإذا بينا أنه ليس المراد عليًا تعينت الآية لأبي بكر ، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه عليًا لوجهين: الأول: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجًا الثاني: أنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة ، وإن عليًا لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت ، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعًا ، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها: أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه كقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] ، { إِنَّا أعطيناك الكوثر } [ الكوثر: 1 ] فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه! وثانيها: وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص ، والفضل يدخل فيه الإفضال ، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلًا على الإطلاق كان مفضلًا على الإطلاق وثالثها: أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلًا لأنه أعطى مالًا ينبغي ، ومن أعطى ليستفيد منه عوضًا إما ماليًا أو مدحًا أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه بذلك فقال: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذي يُؤْتِى مَالَهُ يتزكى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى } [ الليل: 17 20 ] وقال في حق علي: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا } [ الإنسان: 9 ، 10 ] فعلي أعطى للخوف من العقاب ، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى ، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في الإفضال أتم وأكمل ورابعها: أنه قال: { أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } فكلمة من للتمييز ، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل ، والصفة التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير ، وإلا لما كانت مميزة له بعينه ، فدل ذلك على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره ألبتة وخامسها: أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله: { والسعة } على الإحسان إلى المسلمين ، فكأنه كان مستجمعًا للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين ، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله: { إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ } ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين قال له: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } [ التوبة: 40 ] وسادسها: إنما يكون الإنسان موصوفًا بالسعة لو كان جوادًا بذولًا ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام: « خير الناس من ينفع الناس » فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة ، ولقد كان رضي الله عنه جوادًا بذولًا في كل شيء ، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا على يده ، وكان جوده في التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدنيا كما هو مشهور ، فيحق له أن يوصف بأنه من أهل السعة ، وأيضًا فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل إسلام علي أو بعده ، ولكن اتفقوا على أن عليًا حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالًا بالدعوة إلى دين محمد ، ولا شك أن أجل المراتب في الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال: « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله ، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضًا وسابعها: أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت