الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد: فاتَّّقوا الله أيها المسلمون، واعلَموا أنَّ تحضيضَ الشريعة على العفوِ والتجاوُز لم يكن مقتصِرًا على العفو في الظاهرِ دون الباطن، بل إنَّ التحضيضَ عمَّ الظاهر والباطنَ معًا، فأطلق على الظاهر لفظَ العفو، وأطلق على الباطنِ لفظ الصَّفح، والعفوُ والصفح بينهما تقارُبٌ في الجملة، إلاَّ أنَّ الصفحَ أبلغ من العفو؛ لأنَّ الصفح تجاوزٌ عن الذنبِ بالكلية واعتباره كأن لم يكن، أمّا العفو فإنّه يقتضي إسقاطَ اللوم الظاهر دونَ الباطن، ولذا أمَر الله نبيَّه به في قولِه: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] ، وهو الذي لا عتاب معه.
وقد جاءتِ الآيات متضَافِرةً في ذكرِ الصفح والجمعِ بينه وبين العفو كما في قولِه تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ [المائدة:13] ، وقوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة:109] ، وقوله سبحانه: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة:22] ، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن:14] .
العفو والصّفح ـ عباد الله ـ هما خلُقُ النبيّ ، فأين المشمِّرون المقتَدون؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين ؟! سئِلَت عائشة رضي الله عنها عن خلُق رسولِ الله فقالت: لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه أحمد والترمذي وأصله في الصحيحين (12) [1] . وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى:36، 37] .
هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البريّة وأزكى البشريّة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحبِ الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المسبِّحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (( من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم...
(1) صحيح مسلم: كتاب البر (2588) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) مسند أحمد (2/436) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا القضاعي في مسند الشهاب (820) ، وفي إسناده محمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، وقد خولف في إسناد هذا الحديث، فرواه الليث بن سعد مرسلا، ورجح الإرسال البخاري في التاريخ (2/102) ، والدارقطني في العلل (8/153) ، والحديث في السلسلة الصحيحة (2231) .
(3) صحيح البخاري: كتاب الأدب (6114) ، صحيح مسلم: كتاب البر (2609) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) مسند أحمد (3/440) من حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أبو داود في الأدب (4777) ، والترمذي في صفة القيامة (2493) ، وابن ماجه في الزهد (4186) ، وأبو يعلى (1497) ، والطبراني في الكبير (20/188) ، والبيهقي في الشعب (6/313) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2753) .
(5) سنن أبي داود: كتاب البيوع، باب: في فضل الإقالة (3460) ، سنن ابن ماجه: كتاب التجارات، باب: الإقالة (2199) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وليس فيه قوله: (( بيعته ) )، وأخرجه أيضًا أحمد (2/152) ، وصححه ابن حبان (5030) ، والحاكم (2/45) ، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في المحلى (9/3) ، وابن دقيق العيد كما في الفيض (6/79) ، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (3/18) :"إسناد صحيح على شرط مسلم"، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه أيضًا الألباني في إرواء الغليل (1334) .
(6) صحيح البخاري: كتاب البيوع (2078) ، صحيح مسلم: كتاب المساقاة (1562) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) سنن أبي داود: كتاب الأدب (5164) ، سنن الترمذي: كتاب البر (1949) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أيضا أحمد (2/90، 111) ، وعبد بن حميد (821) ، وأبو يعلى (5760) ، والطبراني في الأوسط (1765) ، والبيهقي في الكبرى (8/10) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وجود المنذري في الترغيب رواية أبي يعلى (3/152) ، وقال الهيثمي في المجمع (4/238) :"رواه أبو يعلى ورجاله ثقات"، وهو في السلسلة الصحيحة (488) .