فهرس الكتاب
وأكثر العلماء على وقوع الهبة واختلفوا في تعيين الواهبة فعن ابن عباس . وقتادة . وعكرمة هي ميمونة بنت الحرث الهلالية؛ وفي المواهب يقال: إن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خطبته عليه الصلاة والسلام انتهت إليهاوهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سنة سبع بعد غزوة خيبر وبنى عليها عليه الصلاة والسلام بسرف على عشرة أميال من مكة ، وعليه تكون إرادة النكاح سابقة على الهبة فيضعف به قول السمين: وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما . والضحاك . ومقاتل هي أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية ، قال في الصفوة: والأكثرون على أنها هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت . وفي «الدر المنثور» عن منير بن عبد الله الدوسي أنه عليه الصلاة والسلام قبلها ، وعن عروة . والشعبي هي زينب بنت خزيمة من الأنصار كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم وكان ذلك في سنة ثلاث ولم تلبث عنده صلى الله عليه وسلم إلا قليلًا حتى توفيت رضي الله تعالى عنها .
وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه . والبيهقي في «السنن» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم وقد أرجأها عليه الصلاة والسلام فتزوجها عثمان بن مظعون بإذنه صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: يجوز تعدد الواهبات فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن عروة بن الزبير قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت: { تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ } [ الأحزاب: 51 ] قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك فقوله: من اللاتي وهبن أنفسهن صريح في تعددهن ، وأنكر بعضهم وقوع الهبة وقيل: إن قوله تعالى: { إِن وَهَبَتْ } يشير إلى عدم وقوعها وأنها أمر مفروض وكذا تنكير { امرأت } فالمراد الإعلام بالإحلال في هذه الصورة إن اتفقت وأنكر بعضهم القبول .
أخرج ابن سعد عن ابن أبي عون أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ووهبن نساء أنفسهن فلم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحدًا ، وما أخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه والبيهقي في «السنن» عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له يحتمل نفي القبول ويحتمل نفي الهبة ، وإيراده صلى الله عليه وسلم في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة والسلام حسب اختصاصها به كما ينطق به قوله تعالى: { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } ويتضمن ذلك الإشارة إلى أن هبة من تهب لم تكن حرصًا على الرجال وقضاء الوطر بل على الفوز بشرف خدمته صلى الله عليه وسلم والنزول في معدن الفضل ، وبذلك يعلم أن قول عائشة: ما في امرأة وهبت نفسها لرجل خير وكذا اعتراضها السابق صادر من شدة غيرتها رضي الله تعالى عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بدع فالمحب غيور وقد قال بعض المحبين:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارًا وخوفًا أن تكون لحبه
ونصب { خَالِصَةٌ } على أنه مصدر مؤكد للجملة قبله ، وفاعلة في المصادر على ما قال الزمخشري غير عزيز كالعافية والكاذبة ، وادعى أبو حيان عزتها ، والكثير على تعلق ذلك بإحلال الواهبة أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصًا ، وقال الزجاج: هو حال من { امرأت } لتخصصها بالوصف أي أحللناها خالصة لك لا تحل لأحد غيرك في الدنيا والآخرة .
وقال أبو البقاء: هو حال من ضمير { وَهَبَتْ } أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة . وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذاك خلوص لك وخصوص أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين .
واستدل الشافعية رضي الله تعالى عنهم به على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص باللفظ ، وقال بعض أجلة أصحابنا في ذلك: إن المرادب الهبة في الآية تمليك المتعة بلا عوض بأي لفظ كان لا تمليكها بلفظ وهبت نفسي فحيث لم يكن ذلك نصًا في التمليك بهذا اللفظ لم يصلح لأن يكون مناطًا للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة إيجابًا وسلبًا ، ومعنى خلوص الإحلال المذكور له صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين كونه متحققًا في حقه غير متحقق في حقهم إذ لا بد في الإحلال لهم من مهر المثل .