فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 1664

ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها في هذا المضمار ، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال:"أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ، أصابنى الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال - صلى الله عليه وسلم -:"ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله"؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال: أنا يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته: أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: والله ما عندى إلا قوت الصيبة!! قال: إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلت ."

ثم غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة"وأنزل الله فيهما: { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } .""

وقوله - سبحانه -: { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء والكرم .

والشح: يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة في النفس تحملها على الإمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته ، فكأن البخل أثر من آثار الشح .

قال صاحب الكشاف:"الشح"- بالضم والكسر قد قرئ بهما -: اللؤم ، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر:

يمارس نفسا بين جنبيه كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلا

وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه قوله - تعالى -: { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح . . } أى: ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير . فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، الفائزون برضا الله - عز وجل - .

ومن الأحاديث التى وردت في النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم - في صحيحه - عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم".

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

لأظهر أن {الذين} عطف على {المهاجرين} أي والذين تبؤوا الدار هم الأنصار.

والدر تطلق على البلاد، وأصلها موضع القبيلة من الأرض. وأطلقت على القرية قال تعالى في ذكر ثمود {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [االأعراف: 78] ، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود.

والتعريف هنا للعهد لأن امراد بالدار: يثرب والمعنى الذين هم أصحاب الدار. هذا توطئة لقوله: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} .

والتبوء: اتخاذ المباءة وهي البقعة التي يبوء إليها صاحبها، أي يرجع إليها بعد انتشاره في أعماله. وفي موقع قوله {والإيمان} غموض إذ لا يصح أن يكون مفعول لفعل تبؤوا، فتأوله المفسرون على وجهين: أحدهما أن يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإيمان بالمنزل وجعل إثبات التبؤ تخييلا فيكون فعل تبوأوا مستعملا في حقيقته ومجازه.

وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملا مقدرا يدل عليه الكلام، وتقديره: واخلصوا الإيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف: علفتها تبنا وماء باردا1

وقول عبد الله بن الزبعرى:

يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا

أي وممسكا رمحا وهو الذي درج عليه الكشاف. وقيل الواو للمعية. و {الإيمان} مفعول معه.

وعندي أن هذا أحسن الوجوه، وإن قل قائلوه. والجمهور يجعلون النصب على المفعول معه سماعيا فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخرج آيات القران عليه حتى ادعى ابن هشام في مغني اللبيب أنه غير واقع في القرآن بيقين. وتأويل قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] ، ذلك لأن البصرين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العامل في الاسم الذي صاحبه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافا للكوفيين والأخفش فإن الواو عندهم بمعنى"مع". وقال عبد القاهر: منصوب بالواو.

والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولا للفعل، ألا ترى صحة قول القائل: استوى الماء والخشبة. وقولهم: سرت والنيل، وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذ غيرها.

وبذلك يتضح أن متعلق {مِنْ قَبْلِهِمْ} فعل {تبوءوا} بمفرده، وأن المجرور المتعلق به قيد فيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو في معنى ظرف فلا يعلق بها مجرور.

وفي ذكر الدار وهي المدينة مع ذكر الإيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبؤهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمة الله فيما رواه عنه ابن وهب قال: سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من لآفاق. فقال:

ـــــــ

(1) - التحرير والتنوير - (ج 28 / ص 80)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت