فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 1664

وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسل في نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال التبي صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يضيف هذا الليلة"رحمه الله فقام رجل من الأنصار هو أبو طلحة فقال: أنا يا رسول الله فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدخريه شيئا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تري أنك تصلحينه فأطفئيه وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف.

وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير، قيل نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك.

وجملة {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} في موضع الحال.

و {لو} وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يظن حصول الجواب عند حصولها. والتقدير: لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع. وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} في سورة آل عمران [91] .

والخصاصة: شدة الاحتياج.

وتذكير فعل {كان} لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقيا، ولأنه فصل بين {كان} واسمها بالمجرور. والباء للملابسة.

وجملة {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} تذييل، والواو اعتراضية، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح. وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يشير إلأ أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكانه قيل لسلامتهم من شح الأنفس {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

والشح بضم الشين وكسرها: غريزة في النفس بمتع ما هو لها، وهو قريب من معنى البخل. وقال الطيبي: الفرق بين الشح والبخل عسير جدا وقد أشار في الكشاف إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما يراد منه بدله وقد قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] أي جعل الشح حاضرا معها لا يفارقها، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.

وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة"أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى". ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه. قال وقد أحسن وصفه من قال، لم أقف على قايله:

يمارس نفسا بين جنبيه كزة ... إذا هم بالمعروف قالت له مهلا

فمن وقي شح نفسه، أي وقي من أن يكون الشح المذموم خلقا له، لأنه إذا وقي هذا الخلق سلم من كل مواقع ذمه. فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وقيه.

واسم الإشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس.

وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على وقاية شح النفس حتى كان جنس المفلح مقصور على ذلك الموقى.

ومن المفسرين من جعل {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ} ابتداء كلام للثناء على الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظا في ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر:7] على قرى خاصة هي: قريظة. وفدك، وخيبر. والنفع، وعرينة، ووادي القرى، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه فيئها قال للأنصار:"إن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه"? فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت آية {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الآية [الحشر: 7] .

ومنهم من قصر هذه الآية على فيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه. وعلى هذا التفسير يكون عطف {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ} عطف جملة على جملة، واسم الموصول مبتدأ وجملة {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} خبرا عن المبتدأ.

وقال الجصاص (1) :

(1) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 9 / ص 45)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت