فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 1664

وَلَمْ يَجُزْ شُرْبُ الْخَمْرِ بِلَا خِلَافٍ , لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَأَمَّا ) التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْخَمْرِ فَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ النَّجَاسَاتِ غَيْرُ الْمُسْكِرِ , هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ , وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ , وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ , لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ( وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ) أَنَّهُ يَجُوزُ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا , وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا , حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ , وَهُمَا شَاذَّانِ , وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا , لِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ , فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ؟ قَالُوا: بَلَى فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا , فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ * رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ , هَذَا لَفْظُ إحْدَى رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ , وَفِي رِوَايَةٍ"فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا أَبْوَالَهَا وَأَلْبَانَهَا". قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ طَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهَا , فَإِنْ وَجَدَهُ حَرُمَتْ النَّجَاسَاتُ بِلَا خِلَافٍ , وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ * فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ , وَلَيْسَ حَرَامًا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُتَدَاوِي عَارِفًا بِالطِّبِّ , يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُ هَذَا مَقَامَهُ , أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ , وَيَكْفِي طَبِيبٌ وَاحِدٌ , صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ , فَلَوْ قَالَ الطَّبِيبُ: يَتَعَجَّلُ لَكَ بِهِ الشِّفَاءُ . وَإِنْ تَرَكْتَهُ تَأَخَّرَ , فَفِي إبَاحَتِهِ وَجْهَانِ , حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ , وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا , وَقِيَاسُ نَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ جَوَازَهُ . ( أَمَّا ) الْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُسْكِرِ فَهَلْ يَجُوزُ شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي أَوْ الْعَطَشِ ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٌ ( الصَّحِيحُ ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ ( وَالثَّالِثُ ) يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ ( وَالرَّابِعُ ) عَكْسُهُ . قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه عَنْهُ: أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا , فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ * رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ , وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ جَوَازَهَا لِلْعَطَشِ دُونَ التَّدَاوِي وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ تَحْرِيمُهَا لَهُمَا , وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَسَأُورِدُ دَلِيلَهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , فَإِنْ جَوَّزْنَا شُرْبَهَا لِلْعَطَشِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ خَمْرٌ وَبَوْلٌ لَزِمَهُ شُرْبُ الْبَوْلِ وَحَرُمَ الْخَمْرُ , لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَوْلِ أَخَفُّ , قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهَذَا كَمَنْ وَجَدَ بَوْلًا وَمَاءً نَجِسًا فَإِنَّهُ يَشْرَبُ الْمَاءَ النَّجَسَ , لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ طَارِئَةٌ , وَفِي جَوَازِ التَّبَخُّرِ بِالنَّدِّ الْمَعْجُونِ بِالْخَمْرِ وَجْهَانِ بِسَبَبِ دُخَانِهِ"أَصَحُّهُمَا"جَوَازُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ دُخَانَ نَفْسِ النَّجَاسَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (1) :

(1) - الأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 211)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت