فهرس الكتاب
إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفيه جهارا نهارا في العقيدة . . ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون الإسلام كلمة باللسان تكذبها الأفعال . لا يتسامح مع من يقولون:إنهم يوحدون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله . ثم يعترفون لغير الله بخاصية من خصائص الألوهية , كالحاكمية والتشريع للناس ; فيصم أهل الكتاب بأنهم مشركون , لأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم . . لا لأنهم عبدوهم . ولكن لأنهم أحلوا لهم الحلال , وحرموا عليهم الحرام فاتبعوهم !
ولا يتسامح هذا التسامح في وصف جماعة من المنافقين بأنهم مؤمنون . لأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله . ثم بقوا في دار الكفر , يناصرون أعداء المسلمين !
ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا . إنما هو تميع . والإسلام عقيدة التسامح . ولكنه ليس عقيدة"التميع". إنه تصور جاد . ونظام جاد . والجد لا ينافي التسامح . ولكنه ينافي التميع .
وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى , بيان , وبلاغ . .
ثم استثنى من هذا الحكم - حكم الأسر والقتل - لهذا الصنف من المنافقين , الذين يعينون أعداء المسلمين - من يلجأون إلى معسكر بينه وبين الجماعة الإسلامية عهد - عهد مهادنه أو عهد ذمة - ففي هذه الحالة يأخذون حكم المعسكر الذي يلتجئون إليه , ويتصلون به: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) . .
ويبدو في هذا الحكم اختيار الإسلام للسلم , حيثما وجد مجالًا للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي . من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار ; وعدم الوقوف في وجه الدعوة , بالقوة مع كفالة الأمن للمسلمين ; وعدم تعريضهم للفتنة , أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر .
ومن ثم يجعل كل من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين - عهد ذمة أو عهد هدنة - شأنه شأن القوم المعاهدين . يعامل معاملتهم , ويسالم مسالمتهم . وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام .
كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى . هي الأفراد أو القبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد , فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال . إذ تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين مع قومهم . كما تضيق صدورهم أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين . فيكفوا أيديهم عن الفريقين بسبب هذا التحرج من المساس بهؤلاء أو هؤلاء: أو جاؤوكم , حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . .
وواضح كذلك في هذا الحكم الرغبة السلمية في اجتناب القتال ; حيثما كف الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم ; واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم . وهؤلاء الذين يتحرجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم . . كانوا موجودين في الجزيرة ; وفي قريش نفسها ; ولم يلزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه . فقد كان حسبه ألا يكونوا عليه . . كما أنه كان المرجو من أمرهم أن ينحازوا إلى الإسلام , حينما تزول الملابسات التي تحرجهم من الدخول فيه ; كما وقع بالفعل .
ويحبب الله المسلمين في انتهاج هذه الخطة مع المحايدين المتحرجين . فيكشف لهم عن الفرض الثاني الممكن في الموقف ! فلقد كان من الممكن - بدل أن يقفوا هكذا على الحياد متحرجين - أن يسلطهم الله على المسلمين فيقاتلوهم مع أعدائهم المحاربين ! فأما وقد كفهم الله عنهم على هذا النحو , فالسلم أولى , وتركهم وشأنهم هو السبيل: (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم . فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم , وألقوا إليكم السلم . فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا) . .
وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين , الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق . يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره ; ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف العبء على عاتق المسلمين . ويعلمهم أن يأخذوا الخير الذي يعرض فلا يرفضوه , ويجتنبوا الشر الذي يأخذ طريقه بعيدا عنهم , فلا يناوشوة . . طالما أن ليس في هذا كله تفريط في شيء من دينهم , ولا تمييع لشيء من عقيدتهم ; ولا رضى بالدنية في طلب السلم الرخيصة !
لقد نهاهم عن السلم الرخيصة . لأنه ليس الكف عن القتال بأي ثمن هو غاية الإسلام . .
إنما غاية الإسلام:السلم التي لا تتحيف حقا من حقوق الدعوة , ولا من حقوق المسلمين . .
لا حقوق أشخاصهم وذواتهم ; ولكن حقوق هذا المنهج الذي يحملونه ويسمون به مسلمين .
وإن من حق هذا المنهج أن تزال العقبات كلها من طريق إبلاغ دعوته وبيانه للناس في كل زاوية من زوايا الأرض . وأن يكون لكل من شاء - ممن بلغتهم الدعوة - أن يدخل فيه فلا يضار ولا يؤذي في كل زاوية من زوايا الأرض . وأن تكون هناك القوة التي يخشاها كل من يفكر في الوقوف في وجه الدعوة - في صورة من الصور - أو مضارة من يؤمن بها - أي لون من ألوان المضارة - وبعد ذلك فالسلم قاعدة . والجهاد ماض إلى يوم القيامة .