فهرس الكتاب
(واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) . .
وهي لمسة للمؤمنين بالله عميقة الأثر في القلوب .
وهكذا تكون تلك الأحكام بالمفاصلة بين الأزواج تطبيقا واقعيا للتصور الإسلامي عن قيم الحياة وارتباطاتها ; وعن وحدة الصف الإسلامي وتميزه من سائر الصفوف ; وعن إقامة الحياة كلها على أساس العقيدة , وربطها كلها بمحور الإيمان ; وإنشاء عالم إنساني تذوب فيه فوارق الجنس واللون واللغة والنسب والأرض . وتبقى شارة واحدة تميز الناس . . شارة الحزب الذي ينتمون إليه . . وهما حزبان اثنان:حزب الله وحزب الشيطان . .
ثم بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يبايعهن على الإيمان , هن وغيرهن ممن يردن الدخول في الإسلام . وعلى أي الأسس يبايعهن:
يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا , ولا يسرقن , ولا يزنين , ولا يقتلن أولادهن , ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن , ولا يعصينك في معروف , فبايعهن , واستغفر لهن الله , إن الله غفور رحيم . .
وهذه الأسس هي المقومات الكبرى للعقيدة , كما أنها مقومات الحياة الاجتماعية الجديدة . .
إنها عدم الشرك بالله إطلاقا . .
وعدم إتيان الحدود . . السرقة والزنا . . وعدم قتل الأولاد . . إشارة إلى ما كان يجري في الجاهلية من وأد البنات , كما أنه يشمل قتل الأجنة لسبب من الأسباب . . وهن أمينات على ما في بطونهن . . (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) . . قال ابن عباس:يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن . وكذلك قال مقاتل . ولعل هذا التحفظ - بعد المبايعة على عدم الزنا - كان للحالات الواقعة في الجاهلية من أن تبيح المرأة نفسها لعدة رجال , فإذا جاءت بولد , نظرت أيهم أقرب به شبها فألحقته به , وربما اختارت هي أحسنهم فألحقت به ابنها وهي تعلم من هو أبوه !
وعموم اللفظ يشمل هذه الحالة وغيرها من كل بهتان مزور يدعى . ولعل ابن عباس ومقاتل خصصاه بذلك المعنى لمناسبة واقعة وقتذاك والشرط الأخير: (ولا يعصينك في معروف) . .
وهو يشمل الوعد بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمرهن به . وهو لا يأمر إلا بمعروف . ولكن هذا الشرط هو أحد قواعد الدستور في الإسلام , وهو يقرر أن لا طاعة على الرعية لإمام أو حاكم إلا في المعروف الذي يتفق مع دين الله وشريعته . وأنها ليست طاعة مطلقة لولي الأمر في كل أمر ! وهي القاعدة التي تجعل قوة التشريع والأمر مستمدة من شريعة الله , لا من إرادة إمام ولا من إرادة أمة إذا خالفت شريعة الله . فالإمام والأمة كلاهما محكوم بشريعة الله , ومنها يستمدان السلطات !
فإذا بايعن على هذه الأسس الشاملة قبلت بيعتهن . واستغفر لهن الرسول صلى الله عليه وسلم عما سلف (إن الله غفور رحيم) . . يغفر ويرحم ويقيل العثرات .
وقال الألوسي (1) :
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بيان لحكم من يظهر الإيمان بعد بيان حكم فريقي الكافرين { إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات } أي بحسب الظاهر { مهاجرات } من بين الكفار ، وقرىء { مهاجرات } بالرفع على البدل من { المؤمنات } فكأنه قيل: إذا جاءكم { مهاجرات } { فامتحنوهن } فاختبروهن بما يغلب . على ظنكم موافقة قلوبهم لألسنتهن في الإيمان .
/ أخرج ابن المنذر . والطبراني في الكبير . وابن مردويه بسند حسن . وجماعة عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله تعالى عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض . وبالله ما خرجت من بغض زوج . وبالله ما خرجت التماس دنيا . وبالله ما خرجت إلا حبًا لله ورسوله ، وفي رواية عنه أيضًا كانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: قل لهن إن رسول الله عليه الصلاة والسلام بايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا الخ { الله أَعْلَمُ } من كل أحد أو منكم { بإيمانهن } فإنه سبحانه هو المطلع على ما في قلوبهن ، والجملة اعتراض { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ } أي ظننتموهن ظنًا قويًا يشبه العلم بعد الامتحان { مؤمنات } في نفس الأمر { فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله تعالى: { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } فإنه تعليل للنهي عن رجعهن إليهم ، والجملة الأولى: لبيان الفرقة الثابتة وتحقق زوال النكاح الأول ، والثانية: لبيان امتناع ما يستأنف ويستقبل من النكاح ، ويشعر بذلك التعبير بالاسم في الأولى والفعل في الثانية .
(1) - تفسير الألوسي - (ج 20 / ص 466