فهرس الكتاب
قال ابن كثير: أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التى انفقوها على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين ، فقال الله - تعالى - للمؤمنين به ، { وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ } الآية .
وقوله { فَاتَكُمْ } من الفَوْتِ بمعنى الفراق والترك والهرب . . . يقال: فاتنى هذا الشىء ، إذا لم أتمكن من الحصول عليه ، وعدى حرف إلى لتضمنه معنى الفرار .
ولفظ"شىء"هنا المراد به بعض ، وقوله: { مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ } بيان للفظ شىء .
وقوله: { فَعَاقَبْتُمْ } يرى بعضهم أنه من العقوبة .
وعليه يكون المعنى: وإن تفلتت وفرت امرأة من أزواجكم - أيها المؤمنون - إلى الكفار ، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم . { فَعَاقَبْتُمْ } أى: فغزوتم أنتم بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغانم منهم .
{ فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ } منكم إلى الكفار من هذه المغانم { مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ } أى: مثل المهور التى أنفقوها على زوجاتهم اللائى فررن إلى المشركين .
ويرى بعضهم أن قوله { فَعَاقَبْتُمْ } صيغة تفاعل من العُقْبة - بضم العين وسكون القاف وهى النوبة ، بمعنى أن يصير الإنسان في حالة تشبه حالة غيره .
قال الآلوسى: قوله: { فَعَاقَبْتُمْ } من العُقْبَةِ لا من العقاب ، وهى في الأصل النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده: أى: فجاءت عقبتكم أى نوبتكم من أداء المهر .
شبه الحكم بالأداء المذكور ، بأمر يتعاقبون فيه في الركوب .
وحاصل المعنى: إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار ، أو فاتكم شىء من مهورهن ، { فَآتُواْ الذين ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ } من مهر المهاجرة التى تزوجتموها ، ولا تعطوا شيئا لزوجها الكافر ، ليكون قصاص .
وعبر عن هؤلاء الزوجات اللائى تركن أزواجهن المؤمنين ، وفررن إلى المشركين ، بلفظ"شىء"لتحقير هؤلاء الزوجات ، وتهوين أمرهن على المسلمين ، وبيان أنهن بمنزلة الشىء الضائع المفقود الذى لا قيمة له .
قال صاحب الكشاف: وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة .
وقد أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين مهور نسائهم - اللاحقات بالمشركين - من الغنيمة .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { واتقوا الله الذي أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } أى: واتقوا الله - تعالى - أيها المؤمنون - في كل شئونكم ، ونفذوا ما أمركم به أو نهاكم عنه ، فإن الإيمان الحق به - عز وجل - يستزلم منكم ذلك .فالمقصود بهذا التذييل ، الحض على الوفاء بما أمر الله - تعالى - به ، بدون تهاون أو تقاعس .
وقال الخازن (1) :
(1) - تفسير الخازن - (ج 6 / ص 86)