فهرس الكتاب
عَبْدٌ لِكَافِرٍ فَأَعْتَقَهُ , وَلَمْ يَقُلْ عليه السلام: إنِّي إنَّمَا أَعْتَقْته , لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ , فَمَنْ نَسَبَ هَذَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ , وَقَالَ عَلَيْهِ بِلَا بُرْهَانٍ , وَأَنْتُمْ تَقِيسُونَ الْجِصَّ عَلَى التَّمْرِ , السَّقَمُونْيَا عَلَى الْبُرِّ , وَالْكَمُّونَ عَلَيْهِمَا بِلَا بُرْهَانٍ , وَفَرْجَ الْمُسْلِمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ عَلَى يَدِ السَّارِقِ , ثُمَّ تُفَرِّقُونَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَعَبْدٍ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا أَسْلَمَ فِي مِلْكِ كَافِرٍ , إنَّ هَذَا لَعِوَجٌ مَا شِئْتُمْ . فَإِنْ ذَكَرُوا أَمْرَ بِلَالٍ , وَسَلْمَانَ , رضي الله عنهما أَنَّ كِلَيْهِمَا أَسْلَمَ وَهُمَا مَمْلُوكَانِ لِوَثَنِيٍّ وَيَهُودِيٍّ ; فَابْتَاعَ بِلَالًا أَبُو بَكْرٍ , وَكَاتَبَ سَلْمَانَ سَيِّدُهُ , فَلَوْ كَانَا حُرَّيْنِ بِنَفْسِ إسْلَامِهِمَا لَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَالِكَ وَلَاءِ بِلَالٍ , وَلَا صَحِيحَ الْعِتْقِ فِيهِ ؟ قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا أَمْرُ بِلَالٍ فَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ , وَقَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِبِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً , لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فِي"سُورَةِ النِّسَاءِ"وَلَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ يَوْمَئِذٍ لَازِمَةً , وَلَا الزَّكَاةُ , وَلَا الصِّيَامُ , وَلَا الْحَجُّ , وَلَا الْمَوَارِيثُ , وَلَا كَانَ حَرَامًا نِكَاحُ الْوَثَنِيِّ الْمُسْلِمَةَ , وَلَا نِكَاحُ الْمُسْلِمِ الْوَثَنِيَّةَ , وَلَا مِلْكُ الْوَثَنِيِّ لِلْمُسْلِمِ , فَلَا حُجَّةَ فِي أَمْرِ بِلَالٍ . وَأَمَّا أَمْرُ سَلْمَانَ فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ مَمْلُوكًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ , وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ هُمْ فِي حُصُونِهِمْ مَالِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ , وَكَانَ إسْلَامُ سَلْمَانَ رضي الله عنه بِلَا خِلَافٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ , وَهُوَ أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ , وَهَلَاكُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَتْلُهُمْ , وَحِصَارُهُمْ , بَعْدَ الْخَنْدَقِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ . وَمِنْ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَهُ بَطَلَ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبًا لَهُ بِلَا شَكٍّ وَمَا انْتَمَى قَطُّ إلَى وَلَاءِ ذَلِكَ لْقُرَظِيِّ بَلْ انْتَمَى مَوْلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ , وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ مِنْ الْمُؤَالَفِ , وَالْمُخَالِفِ , وَالصَّالِحِ وَالطَّالِحِ ; فَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لَهُ صَحِيحًا وَكِتَابَتُهُ لَهُ صَحِيحَةً بِحَقِّ الْمِلْكِ لَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ , وَلَوْ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ لَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْتَفِي عَنْ وَلَائِهِ - وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ وَكِفَايَةٌ , وَكَيْف وَلَوْ لَمْ يَقُمْ هَذَا الْبُرْهَانُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ؟ لِأَنَّهُمْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمَرَهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْهُمْ أَنَّ عَبْدَ الذِّمِّيِّ سَاعَةَ يُسْلِمْ فَهُوَ حُرٌّ . وَقَالَ أَشْهَبُ: سَاعَةَ يُسْلِمُ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَهُوَ حُرٌّ , خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ . وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ فَهِيَ حُرَّةٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ , فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ , أَوْ كَافِرٍ , أَوْ لِمُسْلِمٍ , أَوْ كَافِرٍ فَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ , وَبَطَلَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ . قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ , فَإِذَا حَمَلَهُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَسَاعَةَ دُخُولِهِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ - فَهَلْ سُمِعَ بِأَوْحَشَ أَوْ أَفْحَشَ مِنْ هَذَا التَّخْلِيطِ ؟ وَهِيَ أَقْوَالٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُ . وَأَمَّا مَالِكٌ: فَإِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ بِإِسْلَامِهَا , وَهِيَ أَمَةٌ لَهُ فَقَدْ نَاقَضَ , إذْ لَمْ يُعْتِقْ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ بِإِسْلَامِهِمَا , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: لَا يَسْتَرِقُّ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا ; لِأَنَّهُ أَبْطَلَ اسْتِرْقَاقَهُ إيَّاهُ جُمْلَةً . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: