فهرس الكتاب
وفي رواية أخرى: قال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس ألقي بيده إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية . إنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره؛ حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال، والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيها؛ فنزل فينا: (.. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.. ) فكانت التهلكة في الإقامة وترك الجهاد
[رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم] .
والهجرة في المفهوم الإسلامي جهاد، وقد تكون من أعلى أنواع الجهاد. قال تعالى بشأن الذين تقاعسوا عن الهجرة إلى المدينة: ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالك اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (التوبة:24) .
وهكذا الآية إنما نزلت فيمن آثر القعود وانشدَّ إليه عن الهجرة والجهاد. ويمكننا أن نقول باطمئنان بأنه لولا الهجرات الإسلامية في القديم والحديث لما استقر الإسلام في كثير من بلدان العالم ووصل إليها، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن بعض بلاد أفريقيا فتحت أكثر من مرة، ولم يستقر الإسلام فيها إلاَّ بالهجرة إليها والاستيطان هناك.
المسلم وعقدة الاغتراب
الأصل أن المسلم لا يعاني من عقدة الاغتراب، ولا يصاب بأمراض وعلل الاغتراب، من الضياع والذوبان والسقوط الحضاري والكثير من الآثار السلبية الأخرى التي تسببها الهجرات، ذلك أنه يعتقد أن الأرض لله يورثاها من يشاء من عباده، وأن الدنيا كلها وطن له ومحل لدعوته، وأن وجود الناس أيًا كانوا مجاله، وأن هاجسه الدائم استنقاذهم مما هم فيه وتحقيق سعادتهم في معاشهم ومعادهم، فهو كالقمر الذي لا ينطفىء ضوؤه، فإذا غرب من مكان ظهر في مكان آخر فيكون النور، وكالماء إذا حبس في مكان تفجر في مكان آخر فيكون الزرع ويكون العطاء. وهذا لا يتعارض مع قضية الوطن والعمل على حمايته وتنميته، ولا شك بأن مكة كانت أحب بلاد الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولولا أن قومها أخرجوه منها ما خرج قال تعالى: ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ( الأنفال:30) ، والجهاد إذا احتل الوطن أو هدد بالاحتلال يصبح فرض عين على الجميع. قال تعالى: ( انفروا خفافًا وثقالًا.. ) (التوبة:41) لكن مع ذلك فالوطن هو القاعدة الأرضية للعقيدة، وقد يصبح بلا معنى إذا حرم المسلم فيه عقيدته التي هي من أولى حاجاته وأهم حقوقه في المواطنة، فنصل إلى المسألة الصعبة التي تعاني منها بعض مجتمعات اليوم: وطن بلا مواطنين ومواطنون بلا وطن..
ولا بد هنا من التفريق ـ بين أمرين ـ بين عقدة الاغتراب كحالة غير سوية، لأنها تؤدي إلى السقوط وضياع الهوية، وبين الحس بالاغتراب، ذلك أن الحس بالغربة حافز للتغيير، وهاجس لصنع الحضارة، وقلق سوي لا يؤدي إلى الانسحاب والهروب والرفض، وإنما يدفع إلى الفاعلية وتلمس وسائل التغيير المشروعة والمجدية؛ لأنه لو لم يشعر الإنسان بهذا التناقض بين القيم التي يؤمن بها والواقع الذي يعيشه، إذا لم يشعر بالتحدي فأنى له اكتساب الأسباب واستكناه السنن ومحاولة التغيير التي تبدأ بنفسه وتنتهي بمجتمعه.
الهجرة من دار الإسلام
دار الإسلام ودار الحرب أو دار الكفر قضية اصطلحها الفقهاء المسلمون لتقرير بعض الأحكام وللتمييز بين موطنين: موطن تسود فيه شريعة الإسلام، وتنفذ أحكامه وتحد حدوده وترفع شعائره وتعتمد تربيته، وتسود فيه قيم العدل في القضاء، والشورى في الحكم، والحرية في المعتقد، والإحسان في التعامل.. مجتمع، خلص الناس فيه من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. أما دار الحرب فهي كل وطن لا تسوده شريعة الله ولا تنفذ فيه أحكامه أو هو بكلمة مختصرة نقيض دار الإسلام .
وقد حذَّر الفقهاء ـ من باب سد الذرائع ـ ولأسباب رأوها في زمانهم من الهجرة إلى دار الحرب أو دار الكفر؛ لما يمكن أن يقع فيه المسلم من الفتنة في دينه والظلم في دنياه، وأفردوا لذلك أحكامًا معروفة في مكانها من الكتب، وقد يكون المطلوب الآخر أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر في جميع هذه الأحكام، المبنية على النظر والاجتهاد والأحوال والمشاهدات القائمة وقتها، وذلك لعدة أسباب لسنا الآن بسبيل استقصائها وإنما يهمنا لفت النظر إليها.