فهرس الكتاب
نعم لقد ضاقت نفسه، وذهب انبساطها، والعرب تقول ضاق بالأمر ذرعا: أي لم يطقه ولم يقو عليه.
هل رأيتم نبيا عظيما يصل إلى هذه المرحلة وإلى هذه الصورة في استقبال ضيوفه؟، والأنبياء هم الأنبياء، خلقا ودينا، كرما وشجاعة، لكنه عليه السلام: لم يطق ضيوفه، ولم يفرح لقدومهم، بل قال: {هذا يوم عصيب} .
ثم تابع الحدث حكايته، وتزداد الأزمة حبكتها بين طرفين:
الأول: يملك الحق {قوم يتطهرون} ولكنه غريب بحقه، ضعيف بأدوات مصارعته.
والثاني: الباطل بكل صلفه وخبثه، يتحدث حديث الفجور باستعلاء وإعلان: {لقد علمت مالنا في بناتك من حق} .
باطل يتحدث عن الحقوق، ويراعيها، وينبه خصمه إلى قواعد الشرعية الدستورية، ويلبس مسوح الحكماء {لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} انظروا بالله عليكم إلى طريقته في الحديث، واعجبوا كيف صدرت كلمة"الحق"منه، وإلى طريقة تقرير القانون {لقد علمت} ، هم أصحاب الحق والقانون، والخصم. لوط عليه السلام. نسي قواعد الحق، والباطل يذكره بها، آه وألف آه!! وصدق من قال:"كم يخيفني الشيطان عندما يذكر اسم الله تعالى"!!.
ثم تواصل القصة. كما يقول البلغاء تأزمها.
هؤلاء قوم: ليس فيهم رجل رشيد، إنهم يتحدثون عن أمور لا رشد فيها ولا عقل ومع ذلك يقولون عن كل هذا الطيش الذي يخرج من رؤوسهم حقا، هل هؤلاء القوم تردهم الكلمة؟ أو تزجرهم الموعظة؟ أو تهديهم النصيحة؟.
هنا في هذه اللحظة تخرج كلمات الأسى والغضب، تخرج هذه الكلمات كأنها الجمر تريد أن تحرق من أمامها، تخرج هذه الكلمات من فم نبي من أنبياء الله تعالى: {لو أن لي بكم قوة} ماذا ستفعل بهذه القوة يا لوط؟ هل تصلح لهم بها بنيانهم؟ هل تصلح بها اقتصادهم؟ هل تدافع بها عن أعداء قومك؟ لا وألف لا:
بل لو أن لي بكم قوة لأدوس بها رؤوسكم العفنة، لو أن لي بكم قوة لأريكم العذاب ألوانا، لو أن لي بكم قوة لصنعت بكم ما صنع خاتم الأنبياء بـ"عكل"و"عرين"، قطع أيديهم وأرجلهم وجدع أنوفهم وقطع آذانهم ثم أحمى الحديد على النار حتى احمرّ ثم كحل عيونهم به ثم رماهم في الحرة يستسقون الماء ولا يسقون، هؤلاء قوم لا تنفع معهم الحكمة، بل من تمام الحكمة معهم أن تبيد خضراءهم وأن تقتلع رؤوسهم عن أكتافهم، وعلى هذا فإن الذين يظنون أن الحق لا يحتاج إلى قوة تحميه وتبيد أعداءه هم أصحاب عقول عفنة لم تفهم سياسة الدنيا والدين.
{لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} إن لوطا عليه السلام نسي. والأنبياء ينسون كما ينسى الناس وآدم من قبل قد نسي. أقول أن عليه السلام نسي أنه هو في ركن شديد، قال ابن كثير:"ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا وفي ثروة من قومه ) )". ا. هـ. إن هذه العبارات التي خرجت من فم نبي الله لوط عليه السلام تدل على حالة هي أشد ما يلقى الإنسان من القهر والظلم، ولكن هل انتهى المشهد أم أن هذه بداية النهاية؟. قال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} يوسف.