فهرس الكتاب
الحمد لله رب العالمين. المسلمون الذين هم من مواليد الدول الكافرة يتجاوز تعدادهم مئات الملايين .. وبالتالي لا يمكن أن توجه لهم نداء أو فتوى تلزمهم بالهجرة والخروج من ديارهم إلى حيث لا يعلمون ..!
والذي يمكن قوله كجواب على هذه المسألة: أن المسلم الذي هو من مواليد تلك الدول الكافرة .. مخير شرعًا بين ثلاث خيارات .. ينظر منها أيها أفضل لدينه ونفسه:
1-أن يبقى في سلطانهم ويرضى بأمانهم وعهدهم وما يفرضون له من حقوق .. على أن لا يغدر بعهدهم أو يعتدي على حرماتهم في شيء .. وبخاصة إن كان يستطيع أن يُظهر دينه .. ويقوم بالواجبات الدينية المفروضة عليه .. ويمارس مهمة الدعوة إلى الله تعالى.
فإن قيل: هذا العقد الوطني بين المسلم ودولته الكافرة .. يترتب عليه حقوق وواجبات .. ومن الواجبات ما يتعارض مع الشرع ..؟!
أقول: لا مانع شرعًا من الوفاء لهم بجميع الحقوق والواجبات التي لا تتنافى مع شرعنا الحنيف .. وأي عمل يتنافى مع شريعة الإسلام وعقيدته .. يجب أن يعتذر عنه .. وأن يتفادى الوقوع تحت طائلة المخالفات الشرعية ما استطاع إلى ذلك سبيلًا .. لأنه لا طاعة لمخلوق ـ أيًا كان هذا المخلوق ـ في معصية الخالق!
مع التنبيه ـ كما أشرنا من قبل ـ أن المسلمين في كثير من البلدان وبخاصة منها الأوربية يستطيعون أن يُظهروا دينهم وعقيدتهم .. ويأمروا بلسانهم بالمعروف وينهوا عن المنكر .. ويُمارسوا الواجبات الدينية بكامل الحرية .. أكثر من المسلمين المقيمين في غالب البلاد العربية أو غيرها من البلدان التي تسمي نفسها إسلامية ..!!
2-أن ينبذ إليهم عهدهم وأمانهم ويعلن عن جهادهم وقتالهم إن استطاع إلى ذلك سبيلًا .. وكانت المصلحة الشرعية تقتضي أن يبدأهم بذلك .. وفي هذه الحالة يكون في حل منهم ومن عهودهم .. وهم كذلك يكونون في حلٍّ منه ومن عهوده ومواثيقه .. ومن التزاماتهم نحوه .. وكل منهما حلال للآخر.
3-أن يُهاجر إن وجد إلى الهجرة سبيلًا .. وبديلًا أفضل .. مع ضرورة مراعاة المصالح والمفاسد .. والبواعث والغايات، والتفصيل المتقدم عند الحديث عن أحكام الهجرة.
فإن قيل: فإن لم يجد بديلًا أفضل ..؟
أقول: في هذه الحالة غير ملزم بالهجرة .. ومثله مثل العاجز الذي لا يقدر على الهجرة الذي يسقط عنه التكليف كما تقدم.
فالانتقال من شرٍّ إلى شرٍّ يُساويه .. فيه إضاعة للجهود والطاقات والأوقات من غير طائل ولا فائدة وهو من العبث الذي نهى الشارع عنه.
فهذه خيارات ثلاث ـ وضعها الإسلام بين يديه ـ يرى أي الخيارات يقدر عليها .. ويكون فيها الخير لدينه ونفسه وأهله وأمته .. فيختارها ويقدم عليها، والله تعالى أعلم.
هل يهاجر من بلاد المسلمين التي ارتد حكامها جهارا ؟ (1)
الجواب:
الحمد لله رب العالمين. الواجب على الأمة عندما يرتد حكامها وينقلبون عليها وعلى ثوابتها ومصالحها، ويدخلون في موالاة أعدائها .. أن تعلن النفير العام لجهادهم وقتالهم وإراحة الأمة من شرهم وكفرهم وزندقتهم، لا أن تخلي لهم الديار .. ليعيثوا في الأرض فسادًا .. بذلك أوصى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن عبادة بن الصامت قال:"دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللهِ فيه برهان"متفق عليه.
فتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه أصحابه إلى خيار جهاد وقتال الأئمة إن طرأ عليهم الكفر البواح، وخرجوا على ثوابت الأمة .. ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخلوا البلاد والعباد لهم ليعيثوا في الأرض فسادًا ..؟!
وفي رواية عند مسلم: قالوا ـ أي الصحابة ـ أفلا نقاتلهم؟ قال صلى الله عليه وسلم:"لا، ما صلوا".
أي لا تقاتلوهم إلا أن تروا منهم كفرًا بواحًا، ومن الكفر البواح تركهم للصلاة .. وترك الأمر بها .. ولم يقل لهم لا تقاتلوهم .. وعليكم بالهجرة!
وفي رواية عند مسلم كذلك، قال صلى الله عليه وسلم:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويُحبونكم، وتصلون عليهم ويُصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلنونكم"، قالوا: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:"لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة".
(1) - انظر كتاب الهجرة مسائل وأحكام
هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون؟
الجواب:
البلد التي يحكم فيها بالقانون؛ ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها.
وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت؛ فتجب الهجرة.
فالكفر؛ بفشو الكفر وظهوره، هذه بلد كفر.
أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد، أو وجود كفريات قليلة لا تظهر؛ فهي بلد إسلام.
[فتاوى ورسائل الشيخ ابن إبراهيم، 1451، ج: 6]