فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 1664

ولما عظمت فتنة الدنيا في صدور كثير من الناس وصارت أكبر هممهم ومبلغ علمهم حملهم ذلك على التماسها وطلبها ولو بوجه يسخط الله، فسافروا إلى أعداء الله في بلادهم وخالطوهم في أوطانهم، ولبس الشيطان عليهم أمر دينهم فنسوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم في مثل قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: من الآية 7] .

ونسوا ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه عند البيعة، فكان يأخذ البيعة على أحدهم؛ ألا ترى نارك نار المشركين، إلا أن تكون حربا لهم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما) ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) .

وقد سئل بعض أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله وعفا عنهم عن السفر إلى بلاد المشركين للتجارة؟

فأجابوا بما حاصله؛ أنه يحرم السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، إلا إذا كان المسلم قويا له منعة يقدر على إظهار دينه.

وإظهار الدين؛ تكفيرهم وعيب آلهتهم والطعن عليهم والبراءة منهم، والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلاة فقط إظهار الدين.

وقول القائل:"إنا نعتزلهم في الصلاة ولا نأكل ذبيحتهم"؛ حسن لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده بل لابد مما ذكر.

وقول القائل:"إنهم لا ينكرون علينا"؛ قول فاسد، وإنكارنا على من يظن به الخير ممن يخالطهم يخاف عليه إن سلم من الردة ألا يسلم من الكبيرة الموبقة.

وأما من يظن موالاة الكفار، وموادتهم ويظن أنه يرى أنهم أهدى سبيلا من المؤمنين؛ فليس للكلام معه كبير النفع، والله يهدي من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم.

وقد ألزم الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وينتهوا عما نهاهم عنه، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدا حذرهم عما حذرهم منه نبيهم صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنه أقسم ألا يظله سقف وهو قاطع رحم حذرا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع) ، فكيف بمن جالس كافرا وواكله وألان له الكلام؟!

ويذكر عن عيسى عليه السلام أنه قال: (تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضا الله بسخطهم) ، فإذا كان هذا مع أهل المعاصي فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين؟!

قال الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] .

قال أبو العالية: (أي؛ لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام) .

وتوعد سبحانه بمسيس من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام، لأن الله افترض على عباده جهادهم والغلظة عليهم، كما قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: من الآية 73] ، وقال تعالى لما ذكر حال المنافقين: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] .

قال بعض المفسرين: أمر الله نبيه بالإعراض عن المنافقين وإغلاظ القول عليهم وألا يلقاهم بوجه طلق، بل يكون وجهه مكفهرا عابسا متغيرا من الغيظ والبغض.

فإذا كان هذا مع المنافقين الذين هم بين أظهر المسلمين ويصلون ويزكون ويصومون ويحجون ويجاهدون معهم، فكيف بمن سافر إلى أعداء الله في بلادهم وخالطهم في أوطانهم، واستأذن عليهم في بيوتهم، وأقام بين أظهرهم أياما وليالي، وبدأهم بالسلام وأكثر لهم التحية، وألان لهم الكلام، وليس له عذر إلا طلب العاجلة؟!

ولم يجعل الله الدنيا عذرا لمن اعتذر بها، قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] ، وقوله تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17 - 16] ، قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] ، وقوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الاسراء: 18] ، وقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم} [المجادلة: من الآية 22] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه ربه تبارك وتعالى في الحديث الطويل الذي قال فيه: (ولا يحملنكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعة) .

ولما نهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن حمل المشركين إلى بيته وعلم من خلقه الاعتذار بالحاجة، قال تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: من الآية 28] ، فلم يعذر الله بالفقر والحاجة إلى ما في أيديهم، وأخبر أنه هو الرزاق ذو القوة المتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت