فالحقوق الإدارية (3) : هي المتعلقة بتنفيذ القوانين وإدارة الدولة ومختلف مرافقها العامة مع ما يتبع ذلك من حق تعيين وعزل الموظفين. وهذه الحقوق تعرّض فقهاؤنا لها فيما ذكره الماوردي من وظائف (الإمام) العشرة، ولا سيما الأخيرتان منها. قال الدهلوي: ( إن أمهات المقاصد أمور، منها: تدبير المدينة وسياستها من الحراسة والقضاء وإقامة الحدود والحسبة. ومنها: منافع مشتركة ككري الأنهار وبناء القناطر ونحو ذلك) (4) .
والحقوق القضائية كحق العفو الخاص والعام، وكحق التصديق على بعض الأحكام، وهذا من حيث المبدأ قد ذكره الماوردي في الوظيفة الثانية والرابعة، إلا
(1) رواه مسلم عن ابن عمر (شرح مسلم للنووي: 213/12) .
(2) موجز القانون الدستوري للأستاذين الدكتورين عثمان خليل وسليمان الطماوي: ص 243 ط الرابعة.
(3) المبحث هنا مخصص لوظائف الدولة الداخلية، لذا فإن الكلام عن الحقوق السياسية والحربية محله في المبحث الآخر المخصص لوظائف الدولة الخارجية.
(4) حجة الله البالغة: 132/2.
أن الفقهاء فصلوا في الأمر، فقال الحنفية: لا يجوز شرعًا للحاكم بعد رفع الأمر إليه العفو عن العقوبات المقدرة (الحدود) ولا الشفاعة فيها (1) . أما العقوبات التعزيرية فيجوز للحاكم العفو عنها حسبما يرى من المصلحة في حال عفو صاحب الحق عنها، أو كون الحق فيها للجماعة. وبعبارة أخرى: يجوز للإمام ترك التعزير إذا لم يتعلق به حق لآدمي (2) ، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود » (3) .
وأما السلطة القضائية فهي التي تفسر القانون وتطبقه على الوقائع التي تعرض عليها في الخصومات. وهذه هي مهمة القاضي في الإسلام حيث إنه يقوم بتنفيذ أحكام الشريعة بكل دقة وأمانة، وقد بلغ تنظيم القضاء في عهد الإسلام شأوًا رفيعًا لم يسبق إليه.
وسأفصّل الكلام هنا في أهم وظائف الدولة الداخلية الإدارية والقضائية وهي ما يأتي:
1 -المحافظة على الأمن والنظام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
44 -كان من اختصاص رجال الشرطة الإدارية في العهد الإسلامي أمور منها (4) :
(1) المبسوط: 113/9، فتح القدير: 197/4، البدائع: 56/7، الدر المختار ورد المحتار: 189/4.
(2) الدر المختار: 204/3.
(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن عدي والعقيلي من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال العقيلي: له طريق وليس فيها شيء يثبت ( التلخيص الحبير: ص 361، جامع الأصول: 344/4، مجمع الزوائد: 282/6، نيل الأوطار: 135/7 ) .
(4) عبقرية الإسلام في أصول الحكم للدكتور منير العجلاني: ص 370، ط الثانية.
أ ـ حفظ النظام: وذلك بمنع الفوضى والتجمعات في الطرق والأماكن العامة، والسهر على المواكب، ومرافقة الأمير أو صاحب السلطان في تنقلاته لإظهار هيبته ودفع الناس عنه وتلقي أوامره.
ب ـ حفظ الأمن: وذلك بمراقبتهم الأشرار والدعار واللصوص، وطلبهم في مظانهم، وأخذهم على يد كل من يرتكب عدوانًا على غيره، أو يقدم على عمل من شأنه إثارة الناس وتهييج الفتنة.
قال الماوردي: القاعدة الرابعة من القواعد التي تصلح بها الدنيا: أمن عام تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش (1) .
45 -ولكن لا يقتصر دور الدولة الإسلامية على مجرد توفير وضمان الأمن والطمأنينة للأفراد وصيانة حياتهم وأموالهم ودفع العدوان الداخلي والخارجي عنهم، والإشراف على إطاعة الأنظمة والأحكام، وإنما على الدولة والأفراد أن يخطوا خطوة إيجابية بالتضامن والتكافل معًا (2) نحو إيجاد باعث شخصي على احترام حقوق الآخرين، والإذعان للنظام المتبع، وذلك بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتحقق المقصد الأساسي للشريعة: وهو إصلاح المجتمع، أي الحياة الاجتماعية إصلاحًا جذريًا على نحو يستقر فيه الأمن العام
(1) أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 247، ط تركيا.
(2) مثَّل الرسول صلّى الله عليه وسلم في حديث السفينة هذا الواجب التكافلي بين الفرد والجماعة بالنهي عن المنكر أروع تمثيل، فقال - فيما رواه البخاري والترمذي - عن النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» (جامع الأصول: 340/4، الترغيب والترهيب: 235/3) .
والعدل بين الناس، وصيانة الحريات الأساسية بدافع ذاتي ومحبة خالصة لمصالح الآخرين. وكل فرد يعتبر مسؤولًا بنفسه عن الأمر بالمعروف، فإن قصر فهوآثم مخطئ، ويكفل هذا الأصل اليوم ما يسمى بحرية النقد، ويقال له في الاصطلاح الحديث حق الدفاع الشرعي العام (1) .