فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 1664

وأيدت السنة النبوية ذلك المفهوم، فقال صلّى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته» (1) ، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (2) «إن

(1) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (جامع الأصول: 444/4، الفتح الكبير، مجمع الزوائد: 207/5) .

(2) رواه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (جامع الأصول: 228/1) .

الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب» (1) ، «أفضل الجهاد كله حق عند سلطان وأمير جائر» (2) ، «والذي نفسي بيده لتأمرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (3) .

هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أن غاية الدولة الإسلامية ليست سلبية، وإنما لها غاية إيجابية أيضًا، أي ليس من مقاصدها المنع من العدوان، وحفظ حرية الناس فقط، بل إن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الذي جاء به كتاب الله ، وغايتها في ذلك النهي عن جميع أنواع المنكرات التي منعها الله تعالى. قال ابن تيمية: إن صلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس (4) .

48 -ووسائل دفع المنكر كثيرة ،منها التعريف والبيان، والوعظ والإرشاد ، والدعوة والتبليغ، والتربية والتعليم، والتعنيف، والتغيير باليد، والتهديد بالضرب والقتل، والاستعانة بالغير، والقوة السياسية، والرأي العام والنفوذ

(1) رواه الترمذي وأبو داود من حديث قيس بن أبي حازم عن أبي بكر (جامع الأصول: 233/1) وذكره ابن تيمية في السياسة الشرعية: ص 75 بلفظ ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) .

(2) رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ لأبي داود (جامع الأصول: 235/1) .

(3) رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان وقال: «حديث حسن غريب» ورواه ابن ماجه من حديث حديث عمرو بن أبي عمرو (جامع الأصول، المكان السابق، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي: 270/2 وما بعدها) .

(4) السياسة الشرعية: ص 73.

الاجتماعي بحسب الظروف والأحوال (1) .

وعلى الدولة المساهمة البناءة في هذا المضمار، فتخصص لإزالة المنكر ما يعرف في الإسلام بالمحتسب، وهو المسلم المكلف (البالغ العاقل) القادر على الأمر بالمعروف ودفع المنكر ورفع الظلم مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأّهل الديوان ونحوهم (2) . قال ابن تيمية: (وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين، وولاية الحسبة(3) ).

وهناك مسألة فلسفية بحثها العلماء وهي أنه هل وجوب النهي عن المنكر بالعقل أو بالشرع (4) .

(1) إحياء علوم الدين: 277/2، ط العثمانية، مختصر منهاج القاصدين: ص 127 وما بعدها، ط الثانية، التشريع الجنائي الإسلامي: 505/1 وما بعدها، نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 45 وما بعدها.

(2) إحياء علوم الدين: 274/2، الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى ، المكان السابق، التراتيب الإدارية للكتاني: 284/1، منير العجلاني: ص 342.

(3) الحسبة له: ص 8.

(4) قال بعض المتكلمين: (وجب ذلك بالعقل وقال آخرون: وجب ذلك بالشرع دون العقل) (ر: للتفصيل أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 158 وما بعدها) .

2 -تنظيم القضاء وإقامة العدل:

49 -إن غاية الدولة الإسلامية هي تحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، وذلك بإقامة التوازن والعدل فيما بينهم، ومنع تعدي بعضهم على بعض.

وبما أن تنظيم القضاء ونصب القضاة مظهر من مظاهر إقامة العدل، كان من

أعظم الواجبات التي اهتم بها فقهاء الإسلام وخلفاؤه، فأبانوا شروطه، ووضعوا خطته وحددوا طرق الفصل بين الناس تحديدًا دقيقًا، وكان اختيار الخليفة للقاضي مثلًا فذًا من أمثلة الحفاظ على مصالح الناس (1) ، لأن غاية القضاء التي يمتاز بها في الإسلام هي إقامة العدل باعتبار أن العدل هوقوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به (2) ، فكان العدل هو شعار فض الخصومات والمنازعات بين الناس. ومن أهم ضوابط العدل هو تنفيذ أحكام شريعة الله دون تفرقة بين الحاكم والمحكومين، لأن الكل خاضعون لحكم الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت