فهرس الكتاب
وسبق بيان حالة المسلمين في ديار الكفر، وأنهم معرضون للذوبان في المجتمع الكافر، وأن بعضهم يرتد عن الإسلام، وبعضهم يبقى مسلمًا بالاسم والانتساب، وهو قد ضاع في تلك المجتمعات الكافرة، والناجون من ذلك قليل.
فإذا نظرنا إلى ديار الكفر من جهة ما تقوم به من حرب مباشرة ضد المسلمين، أو غير مباشرة، فإن القياس يقتضي تحريم زواج المسلم بالكتابية فيها قياسًا على تحريم ذلك عند بعض العلماء في دار الحرب، وإذا نظرنا إليها من جهة ما بينها وبين حكام الشعوب الإسلامية من معاهدات واتفاقات، فالقياس يقتضي إباحة الزواج بالكتابية في ديار المسلمين - وإن كانت لا تعتبر ذمية ولا حربية - أما الزواج بها في ديار الكفر التي فيها شَبَهٌ بدار الحرب المحضة، وشَبَهٌ بدار العهد فإن فيه إشكالًا، لأن هذه الدار التي هذه صفتها جديدة لم تكن موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد خلفائه لأن الديار كلها كانت إما دار إسلام - ويدخل فيها أهل الذمة -، وإما دار حرب - ويدخل فيها دار العهد المؤقت - وعندما كان المسلمون يتزوجون بالكتابيات، إنما كانوا يتزوجون بهن في ديار الإسلام، وديار الإسلام كانت محكومة بشريعة الله، والمجتمع فيها كان مجتمعًا إسلاميًا، والكتابية ذمية وليست حربية، وإسلام الكتابية التي يحيط بها المجتمع الإسلامي، الذي تطبق فيه أحكام الإسلام في المنزل والمسجد والشارع مأمول، وتربية أبنائها على الإسلام وتنشئتهم على مبادئه وآدابه هي الأساس، لأن البيئة كلها تساعد على ذلك: الأسرة، والجيران، والمسجد، ودور العلم، والمجتمع كله، لأن القوة في كفة الإسلام والمسلمين، والمرأة أقرب إلى التأثر بالإسلام من التأثر في ولدها بالكفر وعاداته.
ولو فرض أنها حاولت التأثير فيه فإنها ستفشل، وإذا علم الزوج وأسرته أو أي مسلم بذلك يبادر إلى إحباط تلك المحاولة، ولو تقدمت بشكوى إلى القضاء تطلب فيها الاستقلال بتربية أولادها، فإن الشرع الإسلامي لا يبيح لها ذلك، بل يحكم بالإشراف على الأولاد وتربيتهم لمن في إشرافه وتربيته مصلحتهم في دينهم، ولا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
وإذا فرض أن زوج الكتابية تساهل معها في تربية أولاده، فإن المسلمين لا يسكتون عن ذلك، لتمسكهم بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما من قبل المحتسبين من المجتمع، وإما من قبل الحاكم المسلم هذا بالنسبة لدار الإسلام.
المفاسد المترتبة على زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر
أما دار الكفر في هذا الزمان، فإن الزواج بالكتابية فيها يترتب عليه مفاسد كثيرة، ومنها ما يأتي:
المفسدة الأولى: إقامة المسلم في دار الكفر.
وذلك مخالف لحكم الهجرة من دار الكفر إلى الإسلام، كما هو معروف.
المفسدة الثانية:
إعانة المسلم المقيم في بلاد الكفر للكافرين على المسلمين، لما يبذله من جهد وطاقة في تقويتهم بعمله معهم، سواء كان الجهد بدنيًا في المصانع وغيرها، أو عقليًا في شتى العلوم المهمة، كالطب والهندسة الفلك وغيرها، ويدخل في ذلك تقصيره في قتال الكفار المحاربين للمسلمين وهي مفسدة عظيمة لا يجوز إغفالها [ أحكام القرآن للجصاص (1 / 366) ] .
المفسدة الثالثة:
تعرض المسلم لعادات أهل الكفر وأخلاقهم ومعاملاتهم التي يكون كثير منها محرمًا في دينه، وقد لا يقدر على ترك ذلك لاضطراره إلى الاختلاط بهم في المنازل وأماكن العمل والتنقلات، ويخشى عليه إن كان جاهلًا ضعيف الإيمان، أن يترك دينه ويدخل في دين الكفر وهذا وقع.
المفسدة الرابعة:
فَقْدُ معنى الولاء والبراء الذي أمر الله به المؤمنين، كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء يعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ) [ المائدة: 51 ]
وقوله تعالى: (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) ) [ المائدة: 55 - 57 ] .
وقوله تعالى: (( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده..) [ الممتحنة: 4 ] .
والغالب أن المسلم الذي يخالط الكفار ويؤاكلهم ويشاربهم ويصاهرهم يذهب من قلبه العداء لهم، ويقل في قلبه ولاؤه لله ولرسوله ولعباده المؤمنين.
المفسدة الخامسة:
الرضا بالمنكر الذي يراه يتكرر أمام ناظريه في كل وقت: من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والكفر بالإسلام ووسائل الزنا، بل والزنا نفسه، وقد يقع هو نفسه في تلك المعاصي، لأن إحساسه بمفاسدها وكونها من مساخط الله تعالى يضعف في نفسه لتكرارها وبقائها في محيط أهلها.
المفسدة السادسة: