بعضهم لبعض: اسألوا الدليل فسألوه , فقال: إن بينكم وبين الماء ساعة , ولكن أرسلوا معى واحدًا وأنا آتيكم بالماء. فأخذ الدليل دلوًا وسار إلى الماء , فلمَّا خرج من القافلة , إذ هو بغدير من الماء , فقال الدليل: هذا هو العجب الذى لم أر مثله هذا موضع ليس فيه ماء , ولا على قرب منه.
فرجع إليهم , وقال لهم: قد كفيتم المؤنة. عليكم بالحطب , فجمعوه ليسخنوا به الماء من شدة البرد , ثم آتوا إلى الماء ليأخذوه , فوجدوه سخنًا يغلى , فازدادوا تعجبًا , وفزعوا من ذلك الرجل , وقالوا: إنَّ لهذا العبد قصة وشأنًا.
قال: فأخذوا في حفر قبره , فوجدوا التراب ألين من الزبد , والأرض تفوح مثل المسك الإذفر , ولم يشموا في دار الدنيا أطيب منه رائحة , فعند ذلك اشتد خوفهم , وملئوا رعبًا وفزعًا , وكانوا إذا نظروا إلى التراب الذى يخرج من القبر , وجدوه صفة التراب , وإذ شموه وجدوا رائحته كرائحة المسك.
فضربوا له خِباء وأدخلوه فيه , وتنافسوا في كفنه , فقال رجل من القوم: أنا أكفنه, وقال آخر: أنا أكفنه. فاتفق رأيهم على أن يجعل كل واحد منهم ثوبًا.
ثم إنهم أخذوا دواة وقرطاسًا , وكتبوا صفته ونعته , وقالوا: إذا وصلنا, إن شاء الله , المدينة , فلعل من يعرفه , وجعلوا الكتاب في أوعيتهم.
فلما غسّلوه , وأرادوا أن يكفنوه , كشفوا الثوب الذى كان عليه , فوجدوه مكفنًا بكفن من الجنة , لم ير الراؤون مثله , ووجدوا على كفنه