وعظ بعض الزهاء أصحابه بالبصرة , فقال في كلامه:
"إن التراجع في المواعظ يوشك أن يذهب يومها , ويأتى يوم الصَّاخة , كل الخلق يومئذ مُصيخٌ ليستمع ما يقال له ويقضى عليه (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) طه/ 108 , فاصْمت اليوم عمّا يُصمتك يومئذ , وتعلم ذلك حتى تعلمه , وابتغه حتى تجده , وبادر قبل أن تَفْجأك دعوة الموت , فإنها عنيفة , إلا من رحم الله عز وجل , فيُقحمك في دار تسمع فيها الأصوات بالحسرة والويل والبثور , ثم لا يُقالون ولا يُستعتبون ولا يُرحمون , ولا يجدون فيها حميمًا ولا شفيعًا ولا راحة لهم فيها إلا الويل والعويل (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) الحج / 22 , مالغمّهم وعذابهم زمان يُحصى ولا عدد يعرفونه , فينتظرون الفرج وأنَّى لهم ذلك!"
وهو يقول جل جلاله (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) النبأ / 23 , فهذا يدل على أنَّ كلما مضى حقبٌ جاء حقبٌ بعده أبدًا , فالحقب الواحد ثمانون سنة , والسنة ثلاث مئة وستون يومًا , اليوم منها كسائر الدنيا , ثم مع هذا الذى هم فيه لا يخفف عنهم العذاب ساعة واحدة , بل يزاد عليهم في كل ساعة بعذاب جديد ينسون ما كانوا فيه قبل ذلك لشدة العذاب الذى بعده.
أما سمعتم قوله عز وجل (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) النبأ / 30 فهذه أشد آية نزلت في أهل النار, فاعرف يا ابن آدم نفسك , وسل عنها الكتاب المبين سؤال من يحب أن يعلم علم من يحب أن يعرف فيعمل , فاستقم كما أمرت , فإن الرب جل ثناؤه لا يعذرنا بالتعذير والتغرير,ولكن