فقال إبراهيم: يا شقيق! ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذى أطعم العليل حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبى صلى الله عليه وسلم:"اليد العليا خير من اليد السفلى"؟! ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلا الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار.
قال: فأخذ يد إبراهيم , فقبَّلها وقال له: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق.
[تاريخ دمشق 23/ 135]
قال ذو النون المصرى:
إن لله عبادًا نصبوا أشجار الخطايا نصب رواتق القلوب وسقوها بماء التوبة , فأثمرت ندمًا وأحزانًا, فجُنُّوا من غير جنون , وتبلدوا من غير عىٍّ ولا بَكم ,وإنهم لهم الفصحاء البُلغاء الرُّزناء العارفون بالله وبرسوله وبأمر الله, ثم شربوا بكأس الصفا , فورثوا الصبر على طول البلاء , حتى تولَّهت قلوبهم في الملكوت , وجالت بين سرايا حُجُب الجبروت , فاستظلوا تحت رواق الندم , فقرؤا صحيفة الخطايا فأرثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا عُلوّعُلُوّ الزهد بسلم الورع , فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا , واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة , وسرحت أرواحهم في العُلا , وجعلت قلوبهم في خفى خفيات الهوى , حتى أناخوا في رياض النعيم , وجَنَوا من ثمار التسَّنيم ,وخاضوا في بحر الحياة , وأردموا خنادق الجزع , وعبروا جسور الهوى حتى أناخوا بفناء العلم , فاستقوا من غدير الحكمة , وركبوا سفينة الفطنة , فأقلعوا بريح النجاة فى