لم يبرح فأخذوا ثيابه وجردوه فقعد في البيت فأبى أن يأكل ويشرب حتى يلحق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلما رأت أمه أنه لا يأكل ولا يشرب أتت قومها فأخبرتهم أنه قد حلف لا يأكل ولا يشرب حتى يلحق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فأعطوه ثيابه فإنى أخاف أن يموت , فأبوا فأخذت بجارها - كساء غليظ - وقطعته قطعتين ثم زررت أحدهما فاتزره ووضع الآخر على رأسه , وقالت: اذهب. فذهب , ترفعه أرض وتخفضه أخرى حتى قدم المدينة وقرأ القرآن وفقه في الدين فكان يأوى هو وأصحابه إلى ظل بيت لامرأة من الأنصار تضع لهم طعامهم وتهيئ لهم أمرهم , فقال له أصحابه ذات يوم: لو تزوجت فلانة , فبلغ ذلك المرأة , فقالت: ما لكم هجيرًا - عادة - إلا ذكرى , لتمسكن عن ذكرى أو لا يأويكم ظل بيتى , فبلغ ذلك أبا بكر - رضى الله عنه - فأتاها فقال: يا فلانة ألم يبلغنى أن عبد الله خطبك فتزوجيه؟ فإنه في حسب من قومه وقد قرأ القرآن وفقه في الدين , وأتاها عمر - رضى الله عنه - فقال لها مثل ذلك , فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان عبد الله إذا طلعت الشمس قام فصلى ما شاء الله أن يصلى ثم يمر بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فيسلم عليه ثم يذهب إلى رحله , فصلى ذات يوم فمرَّ بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال:"يا عبد الله ألم يبلغنى أنك تذكر فلانة"؟
قال: بلى. قال:"قد زوجتكها"فأتى أصحابه فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم قد زوجنيها , فجاءت نسوة من الأنصار فذهبن بها وهيئنها وصنعنها , وصنعن لها بردة وصنعن لها وسادة من أدم وقدحًا وشيئًا من طعام , فزفينها عشاءً فقام يصلى ما عرض لها ولا أرادها حتى أذن بلال بالفجر , فلما أذن ذهبت النسوة إلى أزواجهن فقلن: والله ما لعبد الله من حاجة , ما عرض لها