وقد سمعته يقول في أثناء كلامه: كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة , وطالعت في نفسي مئة مجلدة.
وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه , ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مجلس الأستاذ أبى عبد الله الجبَّازى , يقرأ عليه القرآن , ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه مع مواظبة على التدريس.
ولما عاد من إقامته ومجاورته بمكة المكرمة أربع سنين يدرس فيها ويفتى , بنيت له المدرسة النظامية في نيسابور , واقعد للتدريس فيها , وبقى على ذلك قريبا من ثلاثين سنة , غير مزاحم ولا مدافع , مسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والناظرة , وهجرت له المجالس ,وحضر درسه الأكابر والجم العظيم من الطلبة , وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاث مئة رجل من الأئمة ومن الطلبة.
وسمعته في أثناء كلام يقول: أنا لا أنام ولا آكل عادة , وإنما إذا غلبني النوم ليلا كان أو نهارا , وآكل الطعام إذا اشتهيت الطعام أي وقت كان.
وكان لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم وكلب الفائدة من أي نوع كان.
وقدم إلى نيسابور - بلد إمام الحرمين في سنة (169 هـ) - الشيخ أبو الحسن على بن فضال بن على المجاشى القيرواني النحوي , فقابله إمام الحرمين بالإكرام , وأخذ في قراءة النحو عليه والتلمذة له - وقد بلغت سن إمام الحرمين آنذاك نحو الخمسين سنة , وغد اإمام وقته وعصره - , وكان يحمله كل يوم إلى دارة , ويقرأ عليه كتاب (( إكسير الذهب في صناعة