فلما رجعوا إلى يثرب بعث معهم مصعب بن عمير - رضي الله عنه - ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، ونزل مصعب بن عمير على أبي أمامة أسعد بن زرارة. ونشطا في نشر الإسلام. وبينما هما بستان إذ رئيس الأوس سعد بن معاذ لا بن عمه أسيد بن خضير: ألا تقوم إلى هذين الرجلين الذين أتيا يسفهان ضعفائنا، فتزجرهما، فأخذ أسيد حربته، وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه، قد جاءك فاصدق الله فيه.
وجاء أسيد فوقف عليهما وقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، فقال: أنصفت. وركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن، فاستحسن أسيد دين الإسلام واعتنقه، وشهد شهادة الحق.
ثم رجع أسيد، واحتال ليرسل إليهما سعد بن معاذ، فقال له: كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسًا. وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، ثم قال: وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، لأنه ابن خالتك، فيريدون أن يخفروك.
فغضب سعد، وقام إليهما متغيظًا، ففعل معه مصعب مثل ما فعل مع أسيد، فهداه الله للإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، ثم رجع إلى قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا. قال. فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، إلا رجل واحد اسمه الأصيرم، وتأخر إسلامه إلى يوم أحد، ثم أسلم وقتل شهيدًا في سبيل الله قبل أن يسجد لله سجدة.
وعاد مصعب بن عمير إلى مكة قبل حلول موعد الحج يحمل بشائر مثل هذا الفوز.