قالت عائشة - رضي الله عنها: لما دخل بيتي، واشتد به وجعه قال:"هر يقوا علي من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس".
فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس، فصلى بهم وخطبهم.
وقال فيما قال:"أن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". وقال:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقال:"لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد".
وعرض نفسه للقصاص، وأوصى بالأنصار خيرًا، ثم قال:"إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده". قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا.
ثم أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر، وأمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد، إلا باب أبي بكر.
وكان ذلك يوم الأربعاء، فلما كان يوم الخميس وقد أشتد به الوجع، قال"هلموا أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده"، فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله، فاختلفوا، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"قوموا عني".
وأوصى في ذلك اليوم بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وبإيجاز الوفود بنحو ما كان يجيزهم، وأكد لهم أمر الصلاة، وما ملكت أيمانهم، وقال:"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي".