فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 282

وبما تقدم ذكره اتسعت الشقة الفكرية والعلمية بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قومه، وطفق يقلق مما يراهم عليه من الشقاوة والفساد، ويرغب في الاعتزال عنهم والخلوة بنفسه مع تفكيره في سبيل ينجيهم من التعاسة والبوار.

واشتد هذا القلق، وقويت هذه الرغبة مع تقدم السن حتى كأن حاديًا يحدوه إلى الخلوة والانقطاع. فأخذ يخلو بغار حراء [1] ، يتعبد الله فيه على بقايا دين إبراهيم - عليه السلام - وذلك من كل سنة شهرًا. وهو شهر رمضان، فإذا قضى جواره بتمام هذا الشهر انصرف إلى مكة صباحًا، فيطوف بالبيت، ثم يعود إلى داره، وقد تكرر ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنوات.

فلما تكامل له أربعون سنة - وهي سن الكمال، ولها بعثت الرسل غالبًا - بدأت طلائع النبوة وتباشير السعادة في الظهور، فكان يرى رؤيا صالحة تقع كما يرى، وكان يرى الضوء ويسمع الصوت وقال:"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث".

(1) حراء: اسم الجبل الذي يعرف اليوم بجبل النور، وهو على بعد نحو ميلين من أصل مكة، أما الغار فيقع فيه بجنب قمته الشامخة أسفل منها على يسار الصاعد إليها، يصل الرجل إلى الغار بعد ما ينزل من القمة، وهو غار لطيف طوله ينقص قليلًا عن أربعة أمتار، وعرضه يزيد قليلًا على متر ونصف متر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت