فناشدوا الله والرحم فتركت، ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما عبد نزل إليها من الحصن فهو حر. فنزل ثلاثة وعشرون عبدًا فيهم أبو بكرة - تسور حصن الطائف، وتدلى منه ببكرة يستقي عليها، فكناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي بكرة - فشق فرار هؤلاء العبيد عليهم.
وطال الحصار دون جدوى - فقد دام حوالي عشرين يومًا. وقيل شهرًا كاملًا - فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نوفل بن معاوية الديلي، فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك فأمر بالرحيل. وطلب بعض المسلمين أن يدعو عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم مسلمين.
وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة. فمكث بها بضعة عشر يومًا لا يقسم الغنائم، يبتغي أن يقدم هوازن تائبين، فيحرزوا أموالهم وسباياهم، فما جاء أحد، فأخرج الخمس من الغنيمة، وأعطاها لأناس ضعفاء الإسلام، يتألفهم، ولأناس لم يسلموا بعد، ليحبب إليهم الإسلام، فأعطى أبا سفيان أربعين أوقية من الفضة ومائة من الإبل، وأعطى مثل ذلك لابنه يزيد، ثم لابنه الآخر معاوية، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة ثم مائة - أي ثلاثمائة - من الإبل، وأعطى كلا من حكيم بن حزام، والحارث بن الحارث بن كلدة، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، وعلقمة بن علاثة، ومالك بن عوف، والعلاء بن الحارثة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى وغيرهم مائة مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين خمسين، وأربعين وأربعين حتى شاع بين الناس ان محمدًا يعطي عطاء ما يخاف الفقر، فازدحم الأعراب يطلبون منه، حتى ألجأوه إلى شجرة، فتعلق بها رداؤه، فقال: ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم. ثم ما ألفيتموني بخبلًا ولا جبانًا ولا كذابًا.
ثم أخذ وبرة من سنام بعير وقال: والله ما لي من فيئكم، ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على