فأرسل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ليبلغها الناس يوم الحج الأكبر، وقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، فلحق علي أبا بكر بضجنان أو بالعرج، فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور. فكان يصلي وراء أبي بكر.
وأقام أبو بكر - رضي الله عنه - للناس حجهم، فلما كان يوم النحر قام علي - رضي الله عنه - عند الجمرة فقرأ على الناس أوائل سورة براءة، وفيها ما سبق من نبذ العهود، والإمهال، والإتمام، وبعث أبو بكر - رضي الله عنه - رجالًا ينادون: ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
كان العرب ينتظرون نتيجة الصراع القائم بين قريش والنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا يعتقدون أن الباطل لا يمكن أن يسيطر على المسجد الحرام بالقوة والفتح، ولم تكن قصة أصحاب الفيل عنهم ببعيدة، فلما أكرم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإدخاله في المسجد الحرام، وبتسليطه على كفار مكة، ولم يبق عندهم أدنى شك في كونه رسولًا حقًا، فبدأت القبائل العربية تتوافد إليه تترى. تؤمن برسالته وتقر بطاعته، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا. وخلال فترة قصيرة اتسعت رقعة الدولة الإسلامية من ساحل البحر الأحمر إلى ساحل الخليج العربي، ومن مناطق جنوب الأردن ومشارف الشام إلى سواحل اليمن وعمان، وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظم أمور هذه البلاد الشاسعة، فيرسل الدعاة وينصب الولاة، ويبعث جباة الصدقات، ويوفر ما يحتاج إليه نظام العباد والبلاد من القضاة والعمال، وسنمر بشئ من كل ذلك حسب المقام قريبًا إن شاء الله.
والوفود التي توافدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد عددها على سبعين وفدًا، حسب ما ذكره عامة أهل السير، وقد حاول بعض أهل العلم استقصاء هذه الوفود - سواء ثبتت الرواية بها أو لم تثبت - فأبلغها قريبًا من مائة وفد.
وكانت الوفادة إليه - صلى الله عليه وسلم - قد بدأت قبل الفتح، وقد توافد إليه البعض في أوائل سنوات الهجرة، بل قد جاءه بعض الوفود قبل الهجرة، إلا أن الوفادة العامة، وفي