وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أري قبل ذلك في المنام أنه أتي بخزائن الأرض، فوقع في يديه سواران من ذهب، فكبروا عليه وأهماه، فأوحى إليه أن انفخهما، فنفخهما فذهبا، فأولهما كذابين يخرجان من بعده.
فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسيلمة، وفي يده - صلى الله عليه وسلم - قطعة من جريد، ومعه ثابت بن قيس، فوقف عليه في أصحابه، فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكما، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله. والله إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت. وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني، ثم انصرف.
ورجع الوفد فلبث مسيلمة يسيرًا ثم ادعى أنه أشرك في الأمر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وادعى النبوة، ولفق السجعات، وأحل لقومه الخمر والزنا، وافتتن به قومه، وتفاقم أمره، حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ذلك، فازداد قومه افتتانًا به، فأرسل إليه أبو بكر - رضي الله عنه - الجيوش بقيادة خالد بن الوليد، فجرت بينه وبين المسلمين حروب شديدة، قتل فيها مسيلمة ومعظم جنوده، وقضي على فتنته، وكان الذي قتله وحشي بن حرب قاتل حمزة - رضي الله تعالى عنه -.
أما الكذاب الثاني الذي أريه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الأسود العنسي، وسنأتي على ذكره.
وبعد مرجعه - صلى الله عليه وسلم - من تبوك قدم مالك بن مرة الرهاوي، يحمل معه كتاب ملوك حمير، وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد الكلال، والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان. وكانوا قد أسلموا وأرسلوه بذلك، فكتب إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا بين لهم فيه ما لهم وما عليهم، وأعطى الذمة للمعاهدين.
ثم أرسل إليهم معاذ بن جبل في رجال من أصحابه، على الكورة العلياء من جهة عدن بين السكون والسكاسك، وكان قاضيًا وحاكمًا في الحروب، وعاملًا على أخذ الصدقة والجزية، ويصلي بهم الصلوات الخمس، وبعث أبا موسى الأشعري -