وقد حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزنًا شديدًا على ما حدث بالرجيع وببئر معونة، وكان الحادثان في شهر واحد - شهر صفر سنة 4 هـ - ويقال: إن خبر الحادثين وصل إليه - صلى الله عليه وسلم - في ليلة واحدة، فدعا على هؤلاء القتلة ثلاثين صباحًا في صلاة الفجر، حتى أنزل الله عنهم: أبلغوا عنا قومنا: أنا لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه. فترك القنوت.
تآمر بنو النضير مؤامرة أخبث من عضل وقارة، ومن الغادرين بأصحاب بئر معونة. فقد طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتمع بهم في موضع يسمعون منه القرآن والإسلام، ويناقشونه، ويؤمنون به إن اقتنعوا، فتم الاتفاق على ذلك، وقرر هؤلاء الأشرار فيما بينهم أن يأتي كل رجل منهم بخنجر تحت ثيابه، فيغتالون النبي - صلى الله عليه وسلم - بغتة وعلى غرة. فوصل الخبر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرر إجلاءهم.
وقيل: لما رجع عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه -، وأخبر بقتل رجلين من بني كلاب، ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني النضير في نفر من الصحابة، ليعينوه في ديتها حسب الميثاق، فقالوا نفعل يا أبا القاسم، اجلس ههنا، حتى نقضى حاجتك، فجلس على جنب جدار ينتظر، وخلا بعضهم ببعض، وركبهم الشيطان، فقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقها على رأسه؟ فانبعث أشقاهم عمرو بن جحاش، ونزل جبريل يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أرادوا، فقام مسرعًا وتوجه إلى المدينة، ثم لحقه أصحابه، فأخبرهم بالمؤامرة وقرر إجلاءهم.
ثم بعث إليهم محمد بن مسلمة يقول لهم: اخرجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجد بعده يضرب عنقه، فتجهزوا أيامًا للرحيل، ثم أرسل رئيس المنافقين عبدالله بن أبي: أن اثبتوا ولا تخرجوا، فأن معي ألفين يدخلون معكم حصونكم، ويموتون دونكم: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} وينصركم قريظة وغطفان، فشعروا بالقوة وامتنعوا، وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك.