وهاجر المسلمون كلهم إلى المدينة، ورجع إليها عامة من كان بأرض الحبشة. ولم يبق بمكة منهم إلا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة وقليل من المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة، وتجهز أبو بكر للهجرة: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه عليه ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر، استعدادًا لذلك.
وجن جنون قريش لما رأوا أن المسلمين وجدوا دار حفظ ومنعة، ورأوا في هجرتهم واجتماعهم بالمدينة خطرًا على دينهم وكيانهم وتجارتهم، فاجتمعوا في دار الندوة صباح يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، وليدرسوا خطة تفيد التخلص من هذا الخطر. خاصة وأن صاحب الدعوة - صلى الله عليه وسلم - لا يزال في مكة، ويخشى أن يخرج منها في عشية أو ضحاها. وقد حضر الاجتماع وجوه بارزة من سادات قريش. وحضره أيضًا إبليس في صورة شيخ جليل من أهل نجد بعد أن استأذنهم.
وطرحت القضية على المجتمعين، فقال أبو الأسود نخرجه من أرضنا، ونصلح أمرنا، ولا نبالي أين ذهب.
قال الشيخ النجدي: إنكم ترون حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال، فإذا خرج فلا غرو أن يحل على حي من العرب فتجتمع حوله الجموع، فيطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد. رؤا فيه رأيا غير هذا.
قال أبو البختري: احسبوه وأغلقوا عليه الباب، حتى يدركه ما أدركه الشعراء قبله من الموت.
قال الشيخ النجدي: والله لئن حبستموه ليخرجن أمره إلى أصحابه، وهم يفضلونه على الآباء والأبناء، فأوشكوا أن يثبوا عليكم، وينزعوه منكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوا على أمركم، فانظروا في غير هذا الرأي.
قال الطاغية أبو جهل: إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد، نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسبيًا وسيطًا فينا، ونعطي كلا منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا