يؤتي لهم بملء كف من الشعير، فيصنع بدسم يفوح منها الريح، فيأكلونه، وهو يصعب مروره على الحلق، وشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع، وأروه على بطونهم حجرًا حجرًا كانوا قد ربطوه، فأراهم على بطنه حجرين.
وقد وقعت أثناء الحفر بعض الآيات، رأى جابر شدة الجوع في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصبر، فذبح بهيمة له، وطحنت امرأته صاعًا من شعير، ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرًا، في نفر من أصحابه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجميع أهل الخندق، وهم ألف، فأكلوا وشبعوا وما زالت البرمة تغط، والعجين يخبز، وذهبت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر لأبية وخاله فبدده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوق ثوب، ودعا أهل الخندق، فأكلوا ورجعوا، والتمر يسقط من أطراف الثوب.
وعرضت لجابر وأصحابه أثناء الحفر كدية شديدة، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضربها بالمعول، فعادت كثيبًا أهيل، أي رملًا لا يتمسك، وعرضت لبراء وأصحابه صخرة، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - بسم الله ثم ضرب ضربة بالمعول فقطع قطعة، وخرج منها ضوء، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، وإني لأنظر إلى قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثانية وبشر بفتح فارس، ثم الثالثة وبشر بفتح اليمن، وانقطعت الصخرة.
وأقبلت قريش ومن تبعهم في أربعة آلاف، ومعهم ثلاثمائة فرس، وألف بعير، يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، فنزلوا بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف، فنزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، وكان قدوم هذا الجيش العرمرم إلى أسوار المدينة بلاء شديدًا ومخيفًا جدًا، كما قال الله - تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10} هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا فثبت الله المؤمنين، كما قال وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ