وأما الأسود بن عبد المطلب فلما تضايق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أذاه دعا عليه، وقال:"اللهم أعم بصره، وأثكله ولده"فرماه جبريل بشوك في وجهه حتى ذهب بصره. رومي ولده زمعة حتى مات.
وأما العاص بن وائل، فجلس على شبرقة، فدخلت شوكة لها من أخمص قدمه، وجرى سمها إلى رأسه حتى مات.
هذه صورة مصغرة لما كان يعانيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من قريش بعد إعلان الدعوة والجهر بها. وقد اتخذ رسول الله خطوتين إزاء هذا الموقف المتأزم.
الأولى: أنه جعل دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي مركز الدعوة والعبادة ومقر التربية، لأنها كانت في أصل الصفا، بعيدة عن أعين الطغاة، فكان يجتمع فيها مع صاحبته سرًا، فيتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة: وبهذا التدبير وقى أصحابة كثيرًا من الإحداث التي كان يخشى وقوعها لو اجتمع بهم جهرًا وعلانية، أما هو - صلى الله عليه وسلم - فكان يدعو الله ويدعو إليه جهرًا بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك ظلم، ولا عدوان، ولا سخرية، ولا استهزاء، وكان ذلك من حكمة الله حتى تبلغ، ولئلا يقول قائل يوم القيامة: ما جاءنا من بشير ولا نذير.