بلادهم، وإذا قارنت حصائد غزواته ونتائجها بنتائج حروب الجاهلية ترى عجبًا عجبًا، فمجموع من قتل في جميع غزواته وحروبه - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين والمشركين واليهود والنصارى هم في حدود ألف قتيل فقط، والمدة التي استغرقتها هذه الغزوات لا تزيد على ثمانية أعوام، ولكنه في هذه الفترة القليلة، وبإهراق هذا القدر القليل من الدم أخضع الجزيرة العربية كلها تقريبًا، وبسط الأمن والسلام في أقصى ربوعها وأرجائها ـ أترى أن هذا يمكن بقوة السيف؟ ولا سيما بالنسبة لأولئك الذين كانوا يتفانون في الحروب لأمور تافهة، ويضحون بالآلاف بعد الآلاف دون أن يتصور منهم الخضوع؟ كلا. بل إنها نبوة ورحمة، ورسالة وحكمة. ودعوة ومعجزة، وفضل من الله ونعمة.
كان العرب يزعمون أنهم على دين إبراهيم - عليه السلام - ومن الشعائر التي كانوا متمسكين بها من هذا الدين حج البيت الله الحرام، فكانوا يقيمون الحج كل عام، ويهتمون به أيما اهتمام، وكانوا قد أدخلوا فيه عددًا من البدع والتغييرات، فلما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة سنة ثمان وأمر عليها عتاب بن أسيد قام عتاب بالحج، فحج معه المسلمون والمشركون كما كانوا يحجون في الجاهلية، لم يغير منه شئ، فلما كان عام القابل - العام التاسع من الهجرة - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أميرًا على الحج، ليقيم بالناس المناسك، فخرج في أواخر ذي القعدة سنة 9 هـ في ثلاثمائة من أهل المدينة، ومعه عشرون بدنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخمس لنفسه.
ثم نزلت أوائل سورة براءة بنبذ العهد لجميع المشركين الذين لم يوفوا بعودهم، وأن يمهل هؤلاء ومن لا عهد له أربعة أشهر، يسيحون خلالها في الأرض كيفما يشاءون، حتى يعلموا أنهم غير معجزي الله وأن الله مجزي الكافرين، وأمر بإتمام العهود إلى مدتها للمشركين الذين ينقضوها، ولم يظاهروا على المسلمين أحدًا.