كأن قريشًا لما رأوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجبهم إلى ما اقترحوه من الآيات الخاصة ظنوا أن طلب الآيات أحسن وسيلة لتعجيزه وإسكاته. ولإقناع عامة الناس بأنه متقول، وليس برسول، فتقدموا خطوة أخرى، وقرروا أن يطلبوا منه آية بغير تعيين، ليتبين للناس عجزه، فلا يؤمنوا به، فجاءوا إليه، وقالوا له: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟
فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يريهم آية. فأراهم القمر قد انشق فرقتين: فرقة فوق الجبل - أي جبل أبي قبيس - وفرقه دونه، حتى رأوا حراء بينهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اشهدوا".
ورأت قريش هذه الآية جهارًا، بوضوح، ولوقت طويل، فسقط في أيديهم وبهتوا، ولكنهم لم يؤمنوا، بل قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة، لقد سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان قد سحركم فإنه لا تستطيع أن يسحر الناس كلهم، فانتظروا ما يأتيكم به السفار، فجاء السفار فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه. ولكن قريشًا مع ذلك أصروا على كفرهم واتبعوا أهواءهم.
وكأن انشقاق القمر كان كالتمهيد لما هو أكبر وأهم حدثًا من ذلك، وهو الإسراء والمعراج، فإن رؤية القمر هكذا منشقًا بعين اليقين تسهل على الذهن قبول إمكان الإسراء والمعراج والله أعلم.
المراد بالإسراء توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلًا من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، والمراد بالمعراج صعوده - صلى الله عليه وسلم - إلى العالم العلوي، وكان ذلك بجسده الشريف وروحه الأطهر.
والإسراء مذكور في القرآن في قوله - تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . [17:1]