فلما فرغ من الطواف دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، وأمر بفتحها، ثم أمر بما فيها من الأصنام فأخرجت وكسرت، وأمر بما فيها من الصور فمحيت، ثم دخلها هو وأسامة بن زيد وبلال، فأغلق الباب، واستقبل الجدار الذي يقابله، وهو على بعد ثلاثة أذرع، وعن يساره عمود وعن يمينه عمودان، ووراءه ثلاثة أعمدة، فصلى ركعتين، ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله.
ثم فتح الباب، وكانت قريش قد ملأت المسجد الحرام صفوفًا، فأخذ بعضادتي الباب فخطب خطبة بليغة بين فيها كثيرًا من أحكام الإسلام، وأسقط أمور الجاهلية، وأعلن عن ذهاب نخوتها، ثم قال:
"يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم". قالوا: خيرًا. أخ كريم، وابن أخ كريم.
قال:"لا تثريب عليكم اليوم. اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ثم نزل وجلس في المسجد الحرام، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وقال: خذوها خالدة تالدة، ولا ينزعها منكم إلا ظالم.
ثم أتى الصفا فعلا عليه حيث ينظر على البيت، فرفع يديه يدعو، ثم بايع الناس على الإسلام. وممن أسلم يومئذ أبو قحافة والد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ففرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامه، ثم بايع النساء بعد الرجال على: {أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} .
وممن بايع يومئذ من النساء هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، جاءت متنقبة متنكرة، خوفًا على نفسها مما كانت قد فعلت بنعش حمزة، فلما تمت لها البيعة قالت: يا رسول الله! ما كان على وجه الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من