وتسرب الخبر بين الصحابة خلال لحظات، فأظلمت عليهم الدنيا، وكادوا يفقدون وعيهم، فلم يكن يوم أحسن ولا أضوء من يوم دخل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ولم يكن يوم أظلم ولا أقبح من يوم مات فيه، وكان لهم ضجيج كضجيج الحجاج من البكاء.
وقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المسجد يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يمت ولا يموت حتى يفني الله المنافقين، وأخذ يتوعد بالقطع والقتل من يقول إنه مات، والصحابة حوله في المسجد حائرون مندهشون.
وكان أبو بكر - رضي الله عنه - قد خرج إلى مسكنه بالسنح حين رأى الخفة في مرضه - صلى الله عليه وسلم - صباحًا، فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - أقبل أبو بكر على دابته حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف وجهه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، ولا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها.
ثم خرج فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فتركه وجاء إلى المنبر وقام بجنبه، وترك الناس عمر، وأقبلوا إليه، فتشهد وقال: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله - تعالى -. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} .
قال ابن عباس: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية، حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض، وعرفت أنه قد مات.
اختيار أبي لخلافته - صلى الله عليه وسلم: