كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله، فلا يجد أحدًا يقبله منه، وقد رأى عدي خروج الظعينة، وحضر في فتح كنوز كسرى.
هذان الحادثان - تأديب بني تميم، وهدم فلس طئ - من أهم ما وقع بعد فتح مكة وغزوة حنين، وقد وقع أثناء ذلك بعض الأحداث الطفيفة الأخرى، ولكن الصراع القائم بين المسلمين والوثنيين كان قد انتهى بعد فتح بصفة عامة، وكاد المسلمون يستريحون من تعب الحروب وعنائها، ولكن الذي استجد قبل الفتح بقليل هو اتجاه القوات النصرانية المتمركزة في الشام نحو المسلمين، والذي كان من نتائجها معركة مؤتة، وكانت هذه القوات متغطرسة جدًا لأجل انتصاراتها المتواصلة ضد الفرس، ففتحت باب اللقاء الدامي بينهما وبين المسلمين، وكان من نتائجه غزوة تبوك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم فتوح الشام في زمن الخلفاء الراشدين.
كانت لمعركة مؤته سمعة سيئة للرومان، وقواتهم، فقد كان لنجاح المسلمين - وهم ثلاثة آلاف فقط - في درع مائتي ألف من قوات الرومان أثر بالغ في نفوس القبائل العربية المجاورة للشام، وأخذت هذه القبائل تتطلع إلى الاستقلال، فرأى الرومان أن يقوموا بغزوة حاسمة يقضون بها على المسلمين في عقر دارهم، المدينة المنورة.
وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتجمعهم واستعدادهم، فاستنفر المسلمين من كل مكان، وأعلن عن جهة الغزوة صراحة، وليأخذ الناس عدتهم الكاملة، إذ كان الزمان زمان حر شديد، وكانت الشقة بعيدة، وكان الناس في عسر وجدب، وقد طابت الثمار، والظلال، فكانوا يحبون المقام فيها.
وحث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموسرين على تجهيز المعسرين، فتقدم المسلمون بما لديهم، وأول من جاء بماله أبو بكر - رضي الله عنه -"جاء بكل ماله، وهو أربعة آلاف درهم، فقال - صلى الله عليه وسلم:"هل أبقيت لأهلك شيئًا؟"فقال: أبقيت لهم الله ورسوله،"