قريش، فكانوا هم السبب في فتح مكة، وسيأتي.
أما المسلمين المعذبون في مكة، فانفلت منهم رجل اسمه أبو بصير، وجاء إلى المدينة، فأرسلت قريش رجلين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرده، فرده، فلما نزل بذي الحليفة قتل أبو بصير أحدهما، وفر الآخر حتى انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: قتل صاحبي وإني لمقتول. وجاء أبو بصير فزجره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، أي ساحله، وانفلت أبو جندل فلحق به، فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق به، حتى اجتمعت منهم جماعة، وأخذت تعترض كل عير لقريش تخرج إلى الشام، فتهجم عليها وتأخذ أموالها، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم أن يستقدمهم إلى المدينة، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم فقدموا، وانحلت المشكلة.
كان لهذا الصلح أثر كبير في تسيير الدعوة الإسلامية، فقد وجد المسلمين فرصه اللقاء بعامة العرب، ودعوتهم إلى الله، فدخل الناس في الإسلام بكثرة، وبلغ عددهم في عامين ما لم يبلغ خلال تسعة عشر عامًا، وقد جاء كبار قريش وخلاصتها: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طائعين راغبين، يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويبايعونه على الإسلام، ويبذلون له كل ما يملكون من غال ورخيص، ويفدونه بالنفوس والأرواح، والمواهب والقدرات، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حينما جاءوا:"إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها".