فبكيت. وقال لها في الثانية: إنها أول أهله يتبعه فضحكت، وبشرها أيضًا أنها سيدة نساء العالمين.
ورأت فاطمة ما برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شدة الكرب، فقالت:"واكرب أباه"، فقال:"ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، ودعا الحسن والحسين فقبلهما، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.
وطفق الوجع يشتد ويزيد، وانتقض السم الذي أكله بخيبر، فأخذ يحس بشدة ألمه، وكان قد طرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما صنعوا - لا يبقين دينان بأرض العرب"، وكان هذا من آخر ما تكلم وأوصى به الناس، وكرر مرارًا:"الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم".
وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة - رضي الله عنها - إلى صدرها بين سحرها ونحرها.
وجاء أخوها عبدالرحمن بسواك من جريدة رطبة، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى السواك، ففهمت عائشة أنه يريدة، فسألته فأشار برأسه: أن نعم، فأخذته ومضغته حتى لينته، فاستاك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأحسن ما كان يستاك، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، ويسمح به وجهه، ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات.
ثم رفع يديه أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة فسمعته يقول:"مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى".
وكرر الكلمة الأخيرة ثلاثًا، وفاضت روحه، ومالت يده، ولحق بالرفيق الأعلى، وذلك يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 11 هـ حين اشتد الضحى، وقد تم له ثلاث وستون سنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.