وجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بنصف ماله، وأنفق عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كثيرًا، يقال: عشرة آلاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بإجلاسها وأقتابها، وأعطى خمسين فرسًا، ويقال: أنه أعطى تسعمائة بعير ومائة فرس، وقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم.
وجاء عبدالرحمن بن عوف بمائتي أوقية، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وغيرهم بأموال، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم، كل على قدره، حتى أنفق بعضهم مدًا أو مدين، لم يستطع غيره، وأرسلت النساء ما قدرن عليه من الحلي.
وجاءه - صلى الله عليه وسلم - فقراء الصحابة يطلبون أن يحملهم، فقال: {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} فجهزهم عثمان والعباس وغيرهما - رضي الله عنهم.
وتكلم المنافقون، فلمزوا من أنفق الكثير، وسخروا ممن أنفق القليل، وسخروا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جرأته على لقاء الرومان، فلما سئلوا قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، وجاء المعذرون من المنافقين والأعراب واستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في التخلف، محتالين بأعذار شتى فأذن لهم. وتخلف بعض المسلمين المخلصين تكاسلًا.
واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة محمد بن مسلمة، وخلف علي بن أبي طالب على أهله، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصديق، وفرق الرايات على رجال، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأعطى أسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج، وتحرك من المدينة يوم الخميس، ومعه ثلاثون ألف مقاتل، يريد تبوك، وكانت قلة شديدة في الظهر والزاد، فكان ثمانية عشر رجلًا يتعقبون بعيرًا واحدًا، وأكل الناس أوراق الشجر حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير ليشربوا ما في كرشه من الماء.