فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 282

كان من سجايا الأنصار وكرمهم أنهم كانوا يتنافسون في إنزال المهاجرين واستضافتهم في بيوتهم، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [59:9]

ثم زاد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحب والإيثار قوة بعقد المؤاخاة بينهم وبين المهاجرين، فجعل كل أنصاري ونزيله أخوين، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، فآخى بينهم على المؤاساة، وأنهم يتوارثون فيما بينهم بعد الموت، دون ذوي الأرحام، ثم نسخ التوارث وبقيت المؤاخاة، وكانت قد عقدت في دار أنس بن مالك - رضي الله عنه - وعنهم أجمعين -.

وكان من حب الأنصار لإخوانهم المهاجرين أنهم عرضوا نخيلهم - صلى الله عليه وسلم - ليقسم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، فأبى فقالوا: إذن تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة فقبل ذلك.

وكان سعد بن الربيع أكثر الناس مالًا، فقال لأخيه المهاجر عبد الرحمن بن عوف: اقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، أطلقها. فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال عبدالرحمن: بارك الله في أهلك ومالك. أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، وما هي إلا أيام حتى اكتسب مالًا، وتزوج امرأة من الأنصار.

كانت هذه المؤاخاة ربطًا بين قرد من المهاجرين وبين فرد من الأنصار، وحيث إن المسلمين صاروا - بعد اجتماعهم بالمدينة - أمة مستقلة فقد كانوا في حاجة إلى تنظيم اجتماعي، وإلى تعريف بالواجبات والحقوق الاجتماعية، وإلى إبراز النقاط التي تجعلهم أمة واحدة مستقلة عن الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت