وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيته وهم مطوقون به، فذر تراب البطحاء على رؤوسهم، وهو يتلو قوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [36:9] . فأخذ الله بأبصارهم فلم يشعروا به - صلى الله عليه وسلم - ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أبي بكر، ومن خوخة في داره خرجا حتى لحقا بغار ثور قبل بزوغ الفجر، على بعد نحو خمسة أميال في اتجاه اليمن.
ولما انتهيا إلى الغار دخله أبو بكر أولًا حتى إذا كان فيه شئ يصيبه هو دونه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكسحه ووجد فيه ثقوبًا فسدها بشق إزاره، وبقى جحر أو جحران ألقمهما رجليه، ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنام في حجره، ولدغ أبو بكر في رجله، ولكنه لم يتحرك لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب الألم.
وكمنا في الغار ثلاث ليال، وكان عبدالله بن أبي بكر يبيت عندهما، وكان شابًا فطنًا ذكيًا، فيخرج من عندهما حتى يصبح في قريش كأنه بات بمكة، وكان يسمع مكائد قريش وأخبارهم فكان يأتيهما بها حين يختلط الظلام.
وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم، فكان يأتيهما بها حين تذهب ساعة من الليل. فيبيتان في لبنها، ثم ينعق بها في غلس، ويتبع بها أثر عبدالله بن أبي بكر ليعفي عليه.
أما قريش فبقيت فتيانها منتظرين قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخروجه حتى أصبحوا، فلما أصبحوا قام علي من فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسقط في أيديهم وسألوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا علم لي به، فضربوه وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، ولكن بدون جدوى. ثم جاءوا إلى البيت أبي بكر وسألوا ابنته أسماء عنه فقالت: لا أدري، فلطمها الخبيث أبو جهل لطمة طرح منها قرطها. ثم أرسلوا الطلب في كل جهة، وجعلوا مائة ناقة عن كل واحد منهما لمن يأتي بهما حيين أو ميتين.